حين ترتدّ الحرب على مُشعِليها
ما نشهده اليوم هو بداية تصدّع، لكنه تصدّع في نقطة حسّاسة: في ثقة الجمهور، وفي سرديّة القوّة، وفي تماسك مُعسكر التوحّش نفسه...
عوض عبد الفتاح
موقع عرب 48
31/3/2026
لم يَعُد بالإمكان إخفاء الحقيقة: الحرب التي قُدّمَت للمجتمع الاستيطاني الإسرائيلي، المُعَبّأ بالفكر العنصري والإبادي، بوصفها حملة خاطفة وساحقة لإعادة ترميم الردع وتغيير الشرق الأوسط، تتحوّل تدريجيًا إلى حرب استنزاف مفتوحة، بدأت تُقَوّض ثقة هذا المجتمع الإبادي بقدرة قيادته السياسية والعسكرية الدمويّة على تحقيق وعودها. بعد شهر على اندلاعها، لا نصرٌ يُرى، ولا حسمٌ يتحقّق؛ بل واقع مُعاكِس تمامًا: جبهة تتّسع، خُصوم لا ينكسرون، ومجتمع يبدأ، على استحياء، بطرح أسئلة لم يكن مسموحًا حتى بالتفكير بها في الأيام الأولى من العدوان.
الفجوة بين الوعود والنتائج لم تَعُد مجرّد مسألة تحليل سياسي؛ إنها تجربة يوميّة ضاغطة يعيشها الإسرائيليون، وخاصّة في مستوطنات الشمال، حيث يتفجّر الغضب علنًا كما تجلّى في بكاء رئيس بلدية كريات شمونة. قيل لهم إنّ حزب الله ضعيف، مردوع، ومشغول بأزماته الداخلية، وأنه بات معزولًا في الساحة اللبنانية. لكن ما تكشّف هو العكس تمامًا: قدرة على الصمود، واستعداد للمواجهة، وإمكانيّة لفَرْض مُعادَلات ردع مُتبادلة. هذه ليست مجرّد مفاجأة عسكرية، بل ضربة مباشرة في عمق الوعي الذي تأسّس على وهم التفوّق المطلق. وهذا ما تؤكّده الوقائع حتى الآن، وما تعكسه أيضًا تحذيرات مُتزايدة لمسؤولين أمنيين وعسكريين إسرائيليين سابقين من مغبّة التورّط في "المستنقع اللبناني".
ومع ذلك، فإنّ هذا التململ لم يتحوّل بعد إلى انفجار سياسي. لا يزال "الإجماع الأمني" يفرض نفسه بقوّة، مدعومًا بخطاب طوارئ يُعيد إنتاج الخوف ويخنق إمكانيّات تشكّل معارضة فعلية. فالمجتمع الواقع تحت الصدمة يُعادُ ضبطه بشكل منهجي عبر مُعادَلة قسريّة: لا بديل عن الحرب. كلّ اعتراض يُجَرَّم سياسيًا، وكلّ نقد يُدفَع إلى هامش "عدم المسؤوليّة" أو "عدم الوطنيّة". ويتجلّى عمق الأزمة في أنّ قيادة نظام الأبارتهايد لا تملك، ولا حتى تُحاوِل أن تُقَدّم، أيّ أُفُق سياسي أو تسوية بديلة عن القتل والتدمير والإبادة، تُتيح تعايشًا قائمًا على المساواة والعدالة؛ بل تُواصِل إدارة الصراع بمنطق القوّة العارية فقط.
لكن تحت هذا السطح، تتراكم عناصر تفكّك أعمق. فالإحباط من حرب طويلة بلا أُفُق، والقلَق المُتصاعد من كلفتها البشرية والاقتصادية، والتآكل المتدرّج في الثقة بالمؤسّسة الأمنيّة، كلّها مؤشّرات على بداية تحوّل بنيويّ في المزاج العام، حتى وإن جاء بطيئًا ومتردّدًا. هذا ليس بَعْدُ انقلابًا، لكنه بلا شك بداية تصدّع مرشّح للاتّساع كلّما طال أمَد الحرب دون حسم.
المُفارَقَة الأكثر دلالة لا تكمن فقط في الميدان، بل في الرهان الاستراتيجي الذي قاد هذه الحرب. فقد بُنِيَت الحسابات الأميركية-الإسرائيلية على فرضيّة أنّ الضغط العسكري سيُفَجّر الداخل الإيراني، وأنّ الشارع هناك سينقلب على النظام تحت وطأة الحرب. لكن ما يحدث فعليًا يسير في الاتجاه المُعاكِس تمامًا: التململ، والاحتجاج، وبدايات الغضب الشعبي، تظهر داخل مجتمعات التحالف الإمبريالي الأميركي-الصهيوني ذاته.
في الولايات المتحدة، حيث اتّخذت طبقة إبستاين المنحرفة قرار العدوان على إيران رغم معارضة أغلبيّة الشعب الأميركي، خرجت خلال الأيام الأخيرة تظاهرات شعبيّة متصاعدة ضدّ حرب جديدة بلا نهاية. لم يَعُد الدعم لنظام الأبارتهايد الإبادي مُسَلّمَة فوق النقاش، خاصّة عندما يُتَرجَم إلى حروب عدوانيّة غير قانونيّة ومُكلِفة، تُستَنزَف فيها الموارد وتُهَمَّش فيها الأولويّات الاجتماعيّة والصحيّة. ما يتشكّل هنا، وفق تقديرات مُتزايدة، ليس موقفًا عابرًا، بل بداية تصدّع في أحد أعمدة الإجماع السياسي التقليدي داخل الولايات المتحدة. وإذا ما بلغ هذا التحوّل مداه، فإنه يضع المشروع الصهيوني التوسّعي والإبادي أمام تحدٍّ وجودي غير مسبوق، الذي بات يشكّل عبئًا ثقيلًا اقتصاديًا وأخلاقيًا على المُواطِن الأميركي البسيط.
بعد شهر على بدء العدوان، الذي يضع العالم على حافّة حرب عالميّة ثالثة، تنقلب المُعادَلة تدريجيًا: فالحرب العدوانيّة التي كان يُفتَرض أن تُعيد فرْض الهيمنة، بدأت تكشف حدود هذه الهيمنة نفسها. والضغط الذي كان مُوَجّهًا إلى الخارج بدأ يرتدّ إلى الداخل. نحن أمام لحظة تتكثّف فيها التناقضات إلى حدّ الانفجار: بين خطاب القوّة وواقع العجز، بين ادّعاء الحسم ووقائع الاستنزاف، وبين مشروع الهيمنة وقدرته الفعليّة على الاستمرار.
إنّ ما يتجلّى في هذه الحراكات المتجدّدة ضدّ الحرب ليس مجرّد موقف أخلاقي، بل مُحاوَلة واعية لتفكيك الحرب من داخل منطِقها، باعتبارها ليست انحرافًا طارئًا، بل نتيجة بنيويّة لسياسات إمبرياليّة متجذّرة، تقوم على الاستغلال في الداخل، وعلى التفوّق العسكري وإنكار الحقوق وإدارة الصراع بالقوّة في الخارج.
ويتطوّر هذا الوعي باتجاه إدراك أعمق للتقاطع بين هذه التصدّعات: بين احتجاجات الشارع الأميركي، وأصوات التململ داخل إسرائيل، والقوى الديمقراطيّة والتحرريّة الجذريّة في المنطقة. هذه ليست ظواهر مُنفصلة، بل تجليّات مختلفة لأزمة واحدة. وأيّ إمكانيّة حقيقيّة للتغيير تمرّ عبر تحويل هذا التوازي إلى تلاقٍ سياسيٍ واعٍ.
غير أنّ ذلك كلّه يظلّ مشروطًا بوجود بديل واضح. فغياب الأُفُق هو ما يسمح للحرب بالاستمرار، رغم مُراوحتها وبدء ارتدادها على مُشعِليها ذوي النزعة الإجراميّة. إنّ التحدّي المركزي أمام قوى المعارضة يتمثّل في بلورة مشروع سياسي يُنهي منطِق الهيمنة والاستعمار والاستغلال الفاحش، مُقترنًا باستراتيجيّة قادرة على تنظيم وتعبئة مستمرّة للناس، وفتح أُفُق قائم على العدالة والحريّة والكرامة الإنسانيّة.
ما نشهده اليوم هو بداية تصدّع، لكنه تصدّع في نقطة حسّاسة: في ثقة الجمهور، وفي سرديّة القوّة، وفي تماسك مُعسكر التوحّش نفسه. هذه اللحظة قد تُبَدَّد، وقد تتحوّل إلى نقطة انعطاف تاريخيّة. الفارق لن تصنعه الوقائع وحدها، بل القدرة على قراءتها، وتنظيمها، والدفْع بها في اتجاه أُفُق سياسيّ وأخلاقيّ بديل. ليس من حقّ فئة من مُجرمي الحرب أن يستمرّوا في تحويل حياة شعوب بأكملها إلى جحيم.
الحرب لم تَنتَهِ بعد. لكن ما بدأ ينكشف بالفعل هو حدودها، وحدود النظام المافيوي الذي يقودها.
2026-04-11 00:08:08 | 23 قراءة