عالميَّة الحرب على إيران.. والسيولة الاستراتيجيّة
بسّام ضو
موقع 180 بوست
21/03/2026
دخل العالم في مرحلة ما يُعرَف بـ"السيولة الاستراتيجيّة". نحو ثلاثة أسابيع من الحرب على إيران أظهرت أنَّ الكولونياليّة الرأسماليَّة الأميركية – الصهيونية تُريد أن تُقاتِل للحفاظ على ما تراه مصالحها أو تحرق الكوكب. هنا يبرز واضحاً معنى السيولة الاستراتيجيّة الخطير؛ فالحرب مسرحها الآن إيران، لكنَّ التشابك الجيو- سياسي يجعل تقسيم خطّ النار مستحيلاً. هو واحد مُتّصِل من أوكرانيا إلى غرب أوروبا فإلى الشرق الأوسط، ومن روسيا إلى وسط آسيا، ومن الصين إلى بَرِّها المُجاوِر وأعالي البحار. التسمية التقليدية لهذه الحرب هي “حرب عالميّة ثالثة”، لكنَّها أكثر من ذلك عُمقاً وأثَراً. الحربان العالميّتان السابقتان انتهتا بتقاسم النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي لإدارة الصراع بموجب اتفاق يالطا ونظام بريتون وودز(1945)، من دون إدخال الصراع الديني والهُويَّاتي مباشرةً في المعمعة الكبرى. ظلَّ هذا العامل في الخلفيّة البعيدة، ربَّما لأنَّ الرأسمالية آنذاك لم تكن بحاجةٍ ماسّةٍ إلى ورقةِ الدّين والهويَّات كما هي اليوم بعد أن بلغ مأزقها ذروته، فباتت تحتاج إلى كلّ سلاح للدفاع عن مصالحها الطبَقيّة المحليّة والدوليّة. وهذا ما يُهَدِّد العالم بحروب هويَّاتية تجزيئيَّة مُقَنَّعة بمسحةٍ دينيّة، ستكون الشعوب وقودها للتغطية على الهدف الطبَقي الكولونيالي.
الحرب العالميّة الآن في ساحة إيران تستخدم الدّين بقوّةٍ فائقة، لا القوّة العسكرية فحسب. تُريد واشنطن وتل أبيب أنْ تجعلا منها معركة “هرمجدون” في الميثولوجيا الدينيّة لدى التلموديين والمسيحيّة الصهيونية من أجل تغيير العالم. هكذا يتصرَّف دونالد ترامب والّلوبي الإسرائيلي الحاكم في الولايات المتحدة؛ وهكذا يتصرَّف بنيامين نتنياهو مُرَوِّجاً بجنونٍ تَلمودي أنه النبيّ الإسرائيليّ في هذا العصر، وأنَّه المُكَلَّف بإكمال الحرب على “العماليق” مُستَعيداً قصّة إستير وهامان في بلاد فارس. ولا ينقصُ هذين الطرَفيْن حالياً سوى استحضار “أوربانوس ثانٍ” جديد من القرون الوسطى، ليُعلِنَ قداسة الحرب من روما ضدّ المسلمين والشرق. والهدف هو حُكم العالم تحت شعار ديني زائف: “هكذا أراد الربُّ”، كما كان يقول دينامو الحروب الصليبيّة البابا أوربانوس.
وعندما ندرس اختلاط الدّين بالسياسة وفقاً لحال الحرب على إيران، تَتَبَدَّى لنا أكثرَ فأكثر بشاعة الرأسماليّة الاستعماريَّة التي تُسقِط من حساباتها كلّ القِيَم الخلقيّة – وفْقاً لما يقول ماركس ومن بعده إريك هوبزباوم – من أجل تحقيق الربح والنهب. وقبل أن تنتهي هذه الحرب بدأت تظهر في ثناياها مَعالِم استراتيجيّة بالغة الوضوح والدقّة: - الحرب ليست على إيران وحدها، وإنْ تكن هي الساحة المتفجِّرة. إنها الحرب الأخيرة للإمبراطوريّة الرأسماليّة – الصهيونية ضدَّ كلّ من يقول “لا” بوجه واشنطن وإسرائيل والنخبة الماليّة شبه العالميّة التي تحكم من وراء الستار.
- إيران أسقطت النموذج البولندي في الحرب العالميّة الثانية. آنذاك اكتسحت النازيّة بولندا من دون مقاومة؛ لكن القفزة النوعيّة الآن في التصدّي الإيراني، حطَّمت عنجهيَّة ترامب ونتنياهو، وأثبتَت أنَّ التاريخ لا يُكَرِّرُ نفسه بالضرورة. وقَدَّمت الدليل على أنَّ إيران استعدّت لحرب طويلة، وهي قادرة على تحدّي أميركا وتل أبيب.
- إيران في سياق تصدّيها، هي طليعةٌ راهنةٌ تُقاتِل باسم كلّ مَنْ يرفض الهيمنة الاستعمارية؛ فالمسألة ليست ملفَّاً نووياً أو صاروخياً كما تدّعي واشنطن وتل أبيب، بل هي مشروعٌ للسيطرة على النفط والمعادن في أرض إيران الحضاريّة وتقسيمها وإزالتها من وجه “خطّة إسرائيل الكبرى” للإمساك بكلّ الشرق وتطويق القيادة الجديدة للعالم: الصين وروسيا. وما توسيعُ القصف الإسرائيلي – الأميركي إلى بحر قزوين سوى دليل قاطع على ذلك وتأكيدٍ لعالميّة الحرب والمواجهة. موسكو وبكين اللّتان تبعُدان عن قزوين مسافةً تُراوِحُ بين ألفين وألفين وخمسمئة كيلومتر تعرفان معنى التوسّع الجغرافي في القصف وتقفان خلْف إيران من دون بَهْرَجة كلاميّة. وهذا ما يُضعِف الإمبريالية الأميركية – الصهيونية في حربها الإعلامية على ساحة الرأي العام. - المقاومة الإيرانية فضَحتِ العرب تاريخياً واستراتيجياً؛ فأنظمتُهم خضَعت للغرب الأميركي-الإسرائيلي، وللغرب الجَماعي، وهدَرت الثروات والسيادة والهويّة، فيما إيران وَظَّفَت أموالها في البناء العِلمي والمؤسّساتي برغم الحصار؛ وبرهنت أن الإرادة تنتصر على القوّة، وأنَّ صبر القِلّة يغلب الكثرة، ولا سيّما إذا استند إلى رؤيا استراتيجيّة عميقة مثلما فعلت إيران (كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئة كثيرة”-البقرة 249- و“إنْ يكن منكم عشرون صابرون يغلِبوا مائتين”-الأنفال 65)؛ وهذا ما يجهله ترامب وما يتجاهلُه نتنياهو، الذي يتوهّم أنه يُكمِل درب شاؤول وصموئيل، وما يؤكّد أنَّ العزم الإيراني السياسي والحضاري والديني سيهزم العدوان ويفتح باباً جديداً لكسر الهيمَنة الأحاديّة الأميركيّة.
إذاً، باتت عالميّة الحرب جَلِيّةً جداً. وهي حتى هذه اللّحظة قد حفرت قبر نتائج مؤتمر يالطا، ووضعت نظام بريتون وودز في طريق الإسقاط. فلن يبقى الدولار إلهاً ماليَّاً، ولن تنجو واشنطن وتل أبيب وأوروبا من حريق النفط، ولن تكون البحار بعد اليوم مَشاعاً رأسماليَّاً مُنفلتاً، ولن يبقى الشرق مثلما هو الآن، ولن تبقى إسرائيل على قَيْد الحياة بعدما حرَّكت إيران جيناتِ زوالها.
قد تطول المرحلة فنشهد في عالمنا الشرقي خصوصاً صراعاتٍ وانقسامات؛ لكنَّ الاستراتيجيا الجديدة واضحة وقاطرة التاريخ انطلقت، كما يقول لينين. السيولة الاستراتيجيّة والتشابك الجيوسياسي بين الجبهات يَحكُمانِ المُعادَلات الراهنة، ويُثبِتانِ أنَّ نظام العلاقات الدولية الحالي تفتّت فعليَّاً وبالضرورة (necessary chaos)
ولذا نحن على أبواب بروز نظام جديد وإعادة صياغةٍ أخلاقيّة للعالم.
2026-04-08 21:46:47 | 2 قراءة