في أوكرانيا.. حربٌ على شكل النظام الدولي الآتي
طنّوس شلهوب
موقع 180 بوست
21/02/2026
مع بدء سنَتها الخامسة، لا يُمكِن فَهْم الحرب الأوكرانيّة ضمن إطارها العسكريّ المُباشِر أو توصيفها كصراع على الأمن الأوروبي فحسب؛ بل يجب وضعها في سياق أوسع يتمثّل في أزمة النظام الرأسمالي العالمي وتَراجُع الأحاديّة القطبيّة، ومُحاوَلة الولايات المتحدة إعادة إنتاج هيمنَتها بأدَوات جديدة. فالصراع يتموضع جغرافياً في أوروبا الشرقيّة ويتّصل مُباشَرَة بترتيبات الأمن الأوروبي؛ لكن هذا البُعد ليس سوى الواجهة الظاهرة لمُواجَهَة أعمَق تتعلّق بمُستقبل روسيا كقوّة دوليّة وقُدرتها على تعطيل المشروع الأميركي في أوراسيا.
منذ نهاية الحرب الباردة، قبل ثلاثة عقود ونيّف من الزمن، تعاملت الولايات المتحدة مع انهيار الاتحاد السوفياتي باعتباره لحظة تاريخيّة يجب استثمارها لمَنْع ظهور أيّ قوّة مُنافِسَة. وقد عَبّرَت وثائق البنتاغون، في تسعينيّات القرن الماضي، عن هذا المَنْطِق بوضوح، كما بلوَره زبيغنيو بريجنسكي في كتابه «رقعة الشطرنج الكبرى»، إذ يقوم على فكرة مركزيّة مفادها أنّ من يُسَيطِر على أوراسيا يُسَيطِر على العالم. وفي هذا الإطار لا تُفهَم أوكرانيا كدولة مستقلّة فقط، بل كمِفْصَل جيوسياسي بالغ الحساسيّة يربط روسيا بأوروبا ويفتح على البحر الأسود، ويُشَكّل عُمقاً استراتيجياً للأمن الروسي.
ومن هنا يصبح تَوَسّع “الناتو” شرقاً، برغم الوعود غير الرسميّة التي قُدّمَت لموسكو بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، عنصراً بنيوياً في مشروع تطويق روسيا لا مُجَرّد خيار دفاعي. فالحرب في أوكرانيا جاءت تتويجاً لمَسار طويل من التمدّد الأطلسي ومُحاوَلات إدماج أوكرانيا في المنظومة الغربيّة، سياسياً وعسكرياً، بما يعني إخراجها نهائياً من الفضاء الروسي التاريخي وتحويلها إلى رأس حَرْبَة في خاصرة روسيا الغربيّة. بالمقابل، فإنّ عودة النازيّة إلى أوكرانيا اليوم ليست مجرّد مسألة أيديولوجيّة عابرة، بل امتداد لأرضيّة اجتماعيّة وتاريخيّة مُتَراكِمَة؛ ففي الحرب العالميّة الثانية تعاونت بعض الفصائل الأوكرانيّة مع النازيّة الألمانيّة ضدّ الاتحاد السوفياتي، وشكّلت هذه المجموعات نواة أيديولوجيّة قوميّة متطرّفة حافظت على سرديّاتها التاريخيّة.
ومع انهيار الاتحاد السوفياتي والخَصْخَصَة العنيفة وأزمة الدولة الطرَفيّة، تفكّكت البنية الاجتماعيّة التقليديّة، وظهَرت فجَوات كبيرة بين الأغنياء والفقراء. وفي ظلّ هذا الفراغ السياسي والاجتماعي وجَدت الخطابات القوميّة المتطرّفة أرضاً خَصْبة بين الشباب، خصوصاً في المناطق التي شهِدت انهياراً اقتصادياً وغياب فُرَص العمل، فأصبح من السهل توظيف الكراهيّة التاريخيّة كأداة سياسيّة وعسكريّة.
وفي سياق الحرب الحاليّة تمّ استثمار هذه القوى المتطرّفة والميليشيات القوميّة لتكون رأس حَرْبَة ضدّ روسيا، سواء على المستوى العسكري أو الرّمزي. فالخطاب القومي المتطرّف يُوَفّر مُبَرّراً لإلحاق خسائر بشريّة وللتجنيد، ويخلق شعوراً بالهويّة المُدافِعَة عن الوطن، وإعادة إحياء الرّموز الأوكرانيّة النازيّة، وتشويه التاريخ، وتحويل الخوَنة إلى أبطال قوميين. ولا يُمكِن اختزال الدور الأميركي في هذه الحرب في شعار “دعم حقّ أوكرانيا في الدفاع عن نفسها”، بل يتجسّد في إدارة حرب بالوكالة تهدف إلى استنزاف روسيا وإضعافها على المدى الطويل من دون الانزلاق إلى مُواجَهَة مُباشِرَة. فواشنطن حرصت منذ البداية على تزويد كييف بأسلحة نوعيّة كافية لمنع هزيمتها؛ لكنها في الوقت نفسه وضعَت قيوداً واضحة على نوعيّة التسليح وسقوف استخدامه مَنْعاً لتحوّل الصراع إلى حرب شاملة قد تَفرض على روسيا استخدام خيارات قصوى، خصوصاً في ظلّ امتلاكها ترسانة نوويّة هائلة. هذا التوازن يكشف أنّ الهدف الأميركي ليس تحقيق نصر أوكراني حاسم، بل إطالة أمَد الحرب وتحويلها إلى حرب استنزاف تخدم أهدافاً مُتقاطعة، تشمل إنهاك القُدرات العسكريّة الروسيّة والضغط على الاقتصاد الروسي وإضعاف التماسك الاجتماعي والسياسي الداخلي، وإرسال رسالة ردعيّة إلى القوى الصاعدة، وفي مقدّمتها الصين، مفادها أنّ تحدّي النظام الدولي القائم ستكون كلفته باهظة.
وفي هذا السياق، تتحوّل أوكرانيا إلى ساحة صراع فاقدة للسيادة الاستراتيجيّة الكاملة. صحيحٌ أن الجيش الأوكراني يُقاتِل والمجتمع الأوكراني يدفع الثمن الأكبر، لكنّ القرار النهائي في ما يتعلّق بمستوى التصعيد ونوعيّة السلاح وتوقيت التفاوض يبقى مَرهوناً بالعواصم الغربيّة، وعلى رأسها واشنطن.
وعلى المستوى العسكري، وبرغم غياب نصر سريع وحاسم، لا يمكن توصيف مَسار الحرب بوَصْفِه جُموداً مُتَوازِناً بين الطرَفَيْن. صحيحٌ أن روسيا لم تُحَقّق اختراقاً استراتيجياً خاطفاً، لكنها تفرض مساراً تراكمياً يتقدّم ببطء لمصلحتها. موسكو تتحمّل كلفة عالية لكنها قابلة للاستيعاب، فيما يتكبّد الجيش الأوكراني خسائر بشريّة وماديّة تفوق الخسائر الروسيّة بأضعاف، ويُعاني من تآكل القُدرَة على التعويض الذاتي. وهذا الاختلال البنيوي يُقَلّص تدريجياً من قُدرَة أوكرانيا على الصمود، ويجعلها عاجزة عن قَلْب ميزان القوى جذرياً، فيما يمنح روسيا هامشاً مُتزايداً لفَرْض وقائع ميدانيّة تراكميّة؛ ويتحوّل الميدان العسكري إلى أداة ضغط سياسي وعسكري ذات اتجاه واحد، حيث روسيا تُراكِم مَكاسِب تدريجيّة بكلفة مُرتفعة لكنها قابلة للتحمّل، بينما تُستَنزَف أوكرانيا بوتيرة أسرع من قُدرَتِها على التعويض. وهذا الواقع يُعيد رسم شروط أيّ تفاوض مُحْتَمَل، ويمنح موسكو موقعاً تفاوضياً أفضل مع مرور الوقت.
أما أوروبا، فتبدو الحلَقة الأضعف في هذه المُعادَلَة؛ فهي تتحمّل العبء الاقتصادي الأكبر عبر العقوبات وأزمة الطاقة والتضخّم وتراجع القُدرَة الصناعيّة، لكنها تفتقر إلى استقلال استراتيجي فعلي. وداخل الاتحاد الأوروبي والناتو تظهر انقسامات واضحة بين دُوَل تدفع نحو التصعيد وأخرى تخشى الانزلاق إلى مُواجَهَة أوسع؛ لكن القرار النهائي يبقى في يد الولايات المتحدة؛ وأوروبا شريكٌ في الحرب لكنها ليست شريكاً كاملاً في القرار.
وبالتزامن مع الملفّ الأوكراني، يبرز ملفّ معاهدة «نيو ستارت» بوَصْفِه مؤشّراً بالغ الخطورة على تآكل منظومة ضبط التسلّح العالميّة. فتعليق آخر مُعاهَدة كبرى تضبط الترسانتَيْن النوويتَيْن الأميركيّة والروسيّة يكشف حجم الانهيار في الثقة المُتَبادَلَة ويضع العالم أمام خطَر سباق تسلّح نوويّ جديد. والمُفارَقَة أنّ النقاش حول ضبْط السلاح النووي يبدو أكثر تقدّماً في بعض جوانبه من النقاش حول إنهاء حرب تقليديّة ما يعكس عمق أزمة النظام الدولي ذاته. في المشهد الدولي، تُمَثّل أوكرانيا بؤرة تَراكُب كثيفة للتناقضات الرأسماليّة والإمبرياليّة المُعاصِرَة؛ فهي مُلتَقى لتناقضات الرأسماليّة المُعَولَمَة في مرحلة التأزّم، وتناقضات المُنافَسَة الإمبرياليّة في ظلّ تراجع القُدْرَة على التوسّع السّلْمي، وتناقضات الانتقال من عالَم أحاديّ القطبيّة إلى عالَم متعدّد الأقطاب لم تَستَقِرّ قواعده بعد. وفي مثل هذه اللحظات الانتقاليّة تميل الإمبرياليّات إلى عَسْكَرَة الأزمات، لأن الحرب تُصبِح وسيلة لتأجيل الانفجار الداخلي وإعادة توزيع الخسائر.
في هذا الإطار الأوسع، يأتي خطاب دونالد ترامب حول أوكرانيا بوَصْفِه “صانع سلام” لا كخروج من المشروع الإمبريالي، بل كإعادة تموضع داخله. ترامب لا يُعارِض الهَيْمَنَة الأميركيّة، بل يُعارِض طريقة إدارتها. هو ينتقد حرب أوكرانيا لا لأنها مأساة إنسانيّة، بل لأنها “صفقة سيّئة” تستنزف المال الأميركي وتُحَمّل الولايات المتحدة أعباءً كان يمكن تحميلها للحُلفاء. الفَرْق بين ترامب وبايدن ليس فَرْقًا بين سلام وحرب، بل بين إمبرياليّة ليبراليّة تُريد إدارة الهيمَنة عبر التحالفات والحروب الطويلة، وإمبرياليّة قوميّة - صفقيّة تُريد إدارة النفوذ بأقلّ كلفة مُباشِرَة، وتحميل الأوروبيين الأثمان. من هنا، يُعيد ترامب صياغة الخطّة الأميركيّة عبر نقْل عبء الحرب إلى أوروبا، تقليص المُشارَكة الأميركيّة المُباشرة، وفتح الباب أمام صَفَقات كبرى مع موسكو، إذا اقتضت مصلحة واشنطن ذلك.
سُلوك ترامب هذا يرتبط أيضاً بالأزمة الرأسماليّة العالميّة وبمُحاوَلته إنعاش الاقتصاد الأميركي عبر السياسات الحمائيّة والرسوم الجمركيّة، حتى ولو جاء ذلك على حساب الحُلفاء. الحرب، والعقوبات، والضغط الاقتصادي، كلّها تتحوّل إلى أدوات في إدارة أزمة داخليّة بنيويّة، لا مجرّد سياسات خارجيّة معزولة. وبالتالي، حرب أوكرانيا، مع بداية سنتها الخامسة، تتحوّل من مجرّد ساحة صراع إلى أداة لتحقيق هَدَفيْن مُتَوازِيَيْن هما: استنزاف روسيا تدريجياً وتقليص قُدرَتها على تحدّي الهيمَنة الأميركيّة، وإعادة ضبْط النفوذ داخل الحلف الأطلسي بحيث يتحمّل الحُلفاء الأوروبيّون الجزء الأكبر من الكلفة العسكريّة والاقتصاديّة.
وفي الخلاصة، الحرب في أوكرانيا ليست مجرّد نزاع على الأرض أو الأمن الأوروبي، بل حرب على شكل النظام الدولي القادم؛ أوكرانيا نُقطة تَلاقٍ لتناقضات الرأسماليّة المُعَوْلَمَة والمُنافَسَة الإمبرياليّة وصعود وتراجع القوى الدوليّة وظهور تيّارات قوميّة متطرّفة.. إنّها حربٌ على شكل النظام الدولي القادم. تُدار لتأجيل الحسم، واستنزاف الخُصوم، وإعادة ترتيب مواقع القوى في عالَمٍ يتشكّل على وَقْع الأزمات، لا على وَقْع التسويات المستقرّة. لذلك، لا يبدو أُفُقُها سلاماً سريعاً ولا نصراً حاسماً، بل نزاعاً طويلاً أو مُجَمّداً، إلى أن تفرض موازين القوى الدوليّة واقعاً جديداً يعكس انتقالاً تاريخياً لم يكتَمل بعد.
2026-03-15 13:50:50 | 4 قراءة