مجلس السلام والحقائق خَلْفَ السّتار
أسئلة كثيرة ما زالت في حاجة إلى أجوبة. وليست مُصادَفَةً أنّ دُوَلًا كثيرة غابت عن الاجتماع، لخشيتها، رغم التطمينات الأميركيّة، أن يُصبِح "مجلس السلام" "بديلًا للأمم المتحدة"، أو لأنّ بعضها رأى في كلّ ما يجري استمرارًا في استباحة القانون الدولي.
مصطفى البرغوثي
موقع عرب 48
22/2/2026
قبل الخَوْض في تفاصيل (وخلفيّات) ما جرى في واشنطن تحت عنوان "اجتماع مجلس السلام" الخميس الماضي، لا بُدّ من الإشارة إلى العامِل الرئيس الذي أدّى أصلًا إلى "إعلان وقف إطلاق النار"، ولاحقًا إلى ما سُمّيَت "خطّة السلام"، وهو الفشل الإسرائيلي الكامل في تحقيق الهدف الأساس لحرب الإبادة على قطاع غزّة، أي تنفيذ التطهير العِرْقيّ لسكّانه.
ولولا الصمود البُطولي والباسِل لسكّان قطاع غزّة، وإصرار غالبيّتهم السّاحقة على البقاء في وطنهم، رغم القتل الوحشيّ والدمار، لما رأينا الولايات المتحدة تنتقل إلى الخطّة "ب"، بعد أن فشلت إسرائيل في تنفيذ الخطّة"أ"، ولما رأينا "لا خطّة سلام"، ولا "مجلس سلام"؛ بل لتَحَوّل الأمر إلى مشروع استثمار عقاري إسرائيلي -أميركي، يُرافِقُه استيطان إسرائيلي في قطاع غزّة الخالي من السكّان بعد ضَمّه إلى إسرائيل؛ وكانت تصريحات أولى كثيرة رافقت حرب الإبادة على القطاع تُشير بوضوح إلى ذلك السيناريو الذي فَشِل.
وقبل الحديث عن "مجلس السلام"، لا بُدّ من الإشارة إلى أن "خطّة السلام" التي أقيم على أساسها، افتَقَدت، وما زالت تَفتَقِد، عناصر الخطّة بالمعنى المُتَعارَف عليه؛ كما افتَقَدت عناصر ما يُسَمّى "السلام"؛ إذ كيف يُمكِن الحديث عن سلام في المنطقة من دون مُعالَجَة جَذْر المشكلة المُتَمَثّل في القضيّة الوطنيّة الفلسطينيّة، بما فيها "التطهير العِرْقيّ للّاجئين" والاحتلال الأطوَل في التاريخ الحديث، ومشروع الاستعمار الاستيطاني الإحلالي المُتَواصِل في الضفّة الغربيّة وما أفرَزَه من منظومة أبارتهايد عنصريّة.
ما نتَج عن اجتماع مجلس السلام الأوّل كان ثلاثة محاور: سياسي، وأمني، وثالث يتعلّق بإعادة الإعمار... افتَتَحَ الرئيس الأميركي ترامب خطابه في الاجتماع بالقول "الحرب انتَهَت وحَلّ السلام"؛ والمشكلة الوحيدة الباقية "نزع سلاح حماس" وإيران. ولم يَذْكُر الرئيس الأميركي بكلمة واحدة، لا استمرار حرب القصف الإسرائيليّة على غزّة، وخَرْقِها اتفاق وقف إطلاق النار أكثر من 1560 مرّة، ما أدّى إلى استشهاد حوالي 700 فلسطيني، أكثر من نصفهم من النساء والأطفال.
ولم يَذْكُر بكلمة استمرار الاحتلال الإسرائيلي ليس فقط للضفّة الغربيّة، بل لحوالي 60% من قطاع غزّة؛ ولم يُشِر إلى التوسّع الاستيطاني وهجَمات الإرهابيين المُستَوطِنين في الضفّة الغربيّة التي تُهَدّد بانفجار الوضع برُمّته. والأهم من ذلك كلّه أنه لم يُشِر إلى حقّ الشعب الفلسطيني في الحريّة وتقرير المصير أسوة بباقي الشعوب، إذ تَحَوّل الأمر برُمّته في الخطاب إلى موضوع غزّة فقط، وتهميش كامل للقضيّة الفلسطينيّة التي كانت تصفيتها محور "صفقة القرن" التي سبَق أنْ تبنّاها في ولايته الأولى. وأقلّ ما يُمكِن أن يُقال تجاه الذين أعَدّوا ذلك الخطاب إنّهم إمّا أنّهم يجهلون ما يجري على الأرض، وتلك مُصيبة؛ وإمّا أنّهم يتجاهلونه، وتلك مُصيبة أعظم.
"الحرب انتَهَت وحَلّ السلام". هذا ما تَرَسّخ في ذِهْن الرئيس الأميركي؛ ولكن الواقع على الأرض لا يُشير إلى أيّ "سلام". كثيرون ممّن تحدّثوا في المؤتمر واصلوا الحديث عن "الرّهائن الإسرائيليين" الذين عادوا جميعًا وانتهت قضيّتهم، ولكن أحدًا لم يَذكر عشرة آلاف رهينة فلسطينيّة في سُجون الاحتلال. وكثيرون عادوا، ظُلمًا وبُهتانًا، لتحميل الضحيّة، أي الشعب الفلسطيني، المسؤوليّة عن كلّ ما جرى؛ حتى إن جاريد كوشنر قال "إن غزّة تُعاني بسبب القيادة الخاطئة"، وليس الاحتلال والحصار والاضطهاد العُنصري. وكثيرون انزَلَقوا إلى الخطاب الكريه، باتّهام ثقافة الفلسطينيين بأنها ثقافة كراهية، لأنهم يُطالِبون بحُقوق شعبهم من احتلال ظالم ارتَكَبَ ثلاث جرائم حرب، باعتراف المَحاكِم الدوليّة، في آنٍ واحد. ولولا انبراء مُمَثّلي مصر وتركيا وقَطَر والسعودية، خصوصًا رئيس وزراء باكستان، بتذكير العالم بوجود الاحتلال وبحقّ تقرير المصير للشعب الفلسطيني وضرورة حلٍ مُستَدامٍ للقضيّة الفلسطينيّة، لاختفى الموضوع الفلسطيني برُمّتِه من الاجتماع. ... وبالمناسبة، لم يُشِر "عتاولة "الديمقراطيّة الغربيّة" بكلمة واحدة إلى حقّ الشعب الفلسطيني في مُمارَسَة الانتخابات الديمقراطيّة الحرّة.
وللأسف، تمثّلت إسرائيل في الاجتماع والمجلس، رغم أن رئيس وزرائها مطلوب بِصِفَتِه مُجرِم حرب لمحكمة الجنايات الدوليّة؛ ولكنّ فلسطين لم تُمَثّل، واكتُفِيَ بإعطاء كلمة لرئيس اللجنة الوطنيّة لإدارة غزّة، الذي اضطرّ إلى حَصْر خطابه بالوضع في القطاع. وفي وقتٍ سُمِحَ لوزير الخارجيّة الإسرائيلي، جدعون ساعر، بتقديم الرواية الإسرائيليّة التحريفيّة والمُشَوّهة للوضع، بَقِيَ الخطاب الوطني الفلسطيني والرواية الفلسطينيّة غائبَيْن؛ بل إن منظّمة التحرير التي تُعتَمَد مُمَثّلًا للشعب الفلسطيني هُمّشَت بالكامل؛ وذلك إثبات إضافي لقيادتها أنّ مشكلتها ليست مع شعبها أو قواه السياسية، بل مع إسرائيل وحُلفائها ومنظومة دوليّة ظالمة. وإذا أرادت استعادة مَكانَتَها فليس لها إلّا طريق الوحدة مع مُكَوّنات شعبها، وليس الانكفاء خوفًا من حُدوث ما حَدَثَ فعلًا من عزلٍ وتهميش. ولعلّ من أخطَر الأمور السياسيّة التي تَجَلّت ويجب الانتباه إليها، مُحاوَلة إسرائيل وحُلفائها فَصْل غزّة ومُستقبلها بالكامل، ليس فقط عن الضفّة الغربيّة، بل عن كلّ فلسطين، في ما يُمَثّل واحدًا من عناصر مُحاوَلة تصفية القضيّة الفلسطينيّة برُمّتها بوَصْفِها قضيّة شعب، وليس مُجَرّد مناطق جغرافيّة مُجَزّأة.
أما موضوع الأمن، فلعلّه كان أكثر القضايا غموضًا في مؤتمر "مجلس السلام". إذ دار الحديث عن تشكيل قوّة شرطيّة من خمسة آلاف مُجَنّد جديد تُدَرّبهم مصر والأردن، بوَصْفِهم شرطة انتقاليّة، ولم يذكر مصير أجهزة الشرطة القائمة. كما ذُكِرَ أنّ أندونيسيا والمغرب وكوسوفو وكازاخستان وألبانيا ستُشَكّل قوّة حفظ سلام أو استقرار من 20 ألف جندي، غالبيّتهم (ثمانية آلاف) تعهّدت إندونيسيا بتقديمهم. ويُثير الاهتمام أنّ الحديث ذَكَرَ أنّ هذه القوّة ستنقسم إلى خمسة ألوية بحسب مُحافَظات قطاع غزّة؛ والوحيدة التي ذُكِرَت بالاسم كانت مُحافَظَة رفح.
الأسئلة الغامضة التي تمّ تجنّبها، وبعضها خطيرٌ للغاية: هل ستكون لقوّة الاستقرار مَهام شُرْطِيّة، أو علاقة بما سُمّي "بنَزْع السلاح"؟ هل سينسحب جيش الاحتلال؟ ومتى سينسحب من المناطق التي يحتلّها، وما هو الجَدْوَل الزمنيّ لذلك؟ متى سيبدأ انتشار هذه القوّة، ومن يضمن وقف جيش الاحتلال قصفه وعمليّاته العسكريّة في قطاع غزّة؟ أين ستَقِف قوّة حفظ السلام إذا انسحب جيش الاحتلال إلى حدود المنطقة العازلة؛ هل ستَقِف على الحدود الإسرائيليّة أم في غزّة خَلْف المنطقة العازلة؟ من واجب اللّجنة الوطنيّة لإدارة غزّة أن ترفض، وأن تَرُدّ على تصريحات توني بلير "أنّ كلّ شرطي فلسطيني في القوّة الشرطيّة الجديدة سيخضع للفحص والمُوافَقَة الإسرائيليّة"، في ما يُمَثّل إمعانًا في ترسيخ سيطرة الاحتلال.
ولعلّ زلّة لسان الرئيس الأميركي كانت أخطَر ما قيل أمنيًا، عندما قال "إنّ دولتيْن رغبتا أن تُهاجِما "حماس"، وقلنا إنّ ذلك ليس ضروريًا". ومَنطِقِيًا، لا بُدّ أنّ هاتين الدولتيْن كانتا حاضرتيْن في اجتماع مجلس السلام؛ فمن هما، وبأيّ حقّ تُشارِكان في المجلس، وهما تُريدان تَوَلّي مهام جيش الاحتلال في قطاع غزّة؟ ولعلّ خطاب مُمَثّل ألبانيا كان من أكثر الخطابات استفزازًا، إذ تَبَنّى بشكل مُطلَق الرؤية الإسرائيليّة. ومن دون العودة إلى موضوع الضفّة الغربيّة، السؤال المشروع هو: "لماذا لا يتحدّث أحد عن نَزْع سلاح عصابات الإرهاب الاستيطانيّة التي تعيث فسادًا في الضفّة الغربيّة"؟
المحور الثالث للاجتماع كان موضوع إعادة الإعمار، حيث ذُكِرَ أنّ بعض الدول ممّن فيها مؤسّسات الأمم المتحدة، تعهّدت بتقديم سبعة مليارات دولار. وتعهّد الرئيس الأميركي بتقديم عشرة مليارات ستحتاج بالطبع إلى مُوافَقَة مجلس الكونغرس الأميركي.
من أخطَر الأمور السياسيّة التي تَجَلّت ويجب الانتباه إليها، مُحاوَلَة إسرائيل وحُلفائها فَصْل غزّة ومُستقبلها بالكامل، ليس فقط عن الضفّة الغربيّة، بل عن كلّ فلسطين.
المُعضِلات الأساس التي تتعلّق بموضوع إعادة الإعمار: أوّلًا، ستحتاج غزّة إلى ما لا يقل عن 60-70 مليار دولار؛ فمن أين ستَتَوَفّر باقي الأموال؟ ثانيًا، جميع من تعهّدوا بتقديم التبرّعات، كالدول العربية، لم يقولوا إنهم سيُقَدّمون مليار دولار فورًا، بل قالوا إنهم سيُقَدّمون مليار دولار خلال السنوات المقبلة. ثالثًا، لم يَذكُر أحد ضرورة إجبار إسرائيل على دفع تعويضات، ولو جزئيّة، عن الدمار الهائل الذي سَبّبَتْه، على الأقل لجعلها تُفَكّر في المستقبل قبل أن تُقْدِم على تكرار دمارها غزّة، الذي تكرّر خمس مرّات؛ وأفْدَحُها ما جرى بعد عام 2023. رابعًا، لم يُشَر بكلمة إلى السماح للفلسطينيين ببدء الاستثمار وتشغيل بئر الغاز الخاصّ بغزّة، والذي تُقَدّر قيمته بـ 60 مليار دولار، والذي يُمكِن أن يُغَطّي دخله جزءًا من تكاليف إعادة الإعمار. كما أنه يمكن أن يُوَفّر لقطاع غزّة مصدرًا لطاقة الكهرباء التي لا تصل إليها منذ أكثر من عامَيْن. خامسًا، لعلّ أخطَر ما ذُكِر أنّ إعادة الإعمار ستبدأ في منطقة رفح التي سَوّتْها إسرائيل بالأرض، بَدَل أن تبدأ فورًا، حيث يوجد أكثر من مليونين من سكّان قطاع غزّة يُعانون الأمَرّيْن من دمار البنية التحتيّة وشَبَكات الكهرباء والطاقة والمياه والمَجاري.
الأخطَر أيضًا ما ذُكِر أنّ إعادة الإعمار ستكون في رفح والخط الساحلي؛ فهل هذه وصْفة تسمح لإسرائيل بإبقاء احتلالها وسيطرتها على جميع الجزء الشرقي من قطاع غزّة؟ وهل ستكون إعادة الإعمار لصالح مُستَثمِري العقارات الأجانب، أم لصالح قطاع غزّة وسكّانه؟ وهل ستنتهي المليارات الموعودة في جيوب المُستَثمِرين أم لصالح صمود (وبقاء) سكّان قطاع غزّة الذين تحمّلوا ما لا تتحمّله الجبال؟
أسئلة كثيرة ما زالت في حاجة إلى أجوبة. وليست مُصادَفَةً أن دُوَلًا كثيرة غابت عن الاجتماع، لخشيتها، رغم التطمينات الأميركيّة، أن يُصبِح "مجلس السلام" "بديلًا للأمم المتحدة"، أو لأنّ بعضها رأى في كلّ ما يجري استمرارًا في استباحة القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي اللذين ذُبِحا في قطاع غزّة.
نُشِر المقال في صحيفة "العربي الجديد".
2026-03-15 13:45:42 | 3 قراءة