بين إرْث خامنئي وسطحيّة ترامب
شادي منصور
موقع عَكْسِ السّيْر
Mar 01, 2026
استَغَلّ ترامب "اغتيال" المُرشِد الأعلى ليُحَوّل منصّته إلى سيرك يَشهَد جُنون عَظَمَتِه المَرَضي، فأعلَن أنّ خامنئي كان “أحد أكثر الأشخاص شرًا في التاريخ، وأنَّ مَوْتَه يُمَثّلُ عدالة للشعب الإيراني وللأمريكيين العُظماء!
دونالد ترامب الذي يبدو وكأنّه خرَج للتوّ من صفحات المجلّات الإباحيّة المُصَوّرة و"صَوْن العدالة بنسختها الأمريكية"؛ أو بالأكثر ككومبارس خارج من فيلم إباحي هوليودي رديء بميزانيّة مُنخفضة، أخرَجه أحد المُخرجين المُبتدئين المَغمورين، أصبح بَطَلًا في استرجاع الحُلُم الأمريكي، وجَعْل أميركا عظيمة مرّة أخرى، بضمّ وفتح الهمزة...
هذا المهووس الذي يبدو كوَجْبَة سريعة من الطعام السريع، كقَضْمَة برغر مَحْشيّة بالدهون والكوليسترول والتريغليسيريد، تُسيل اللّعاب، وتُثير الشهيّة، لكنّها خالية من أيّ نكهة حقيقيّة أو عُمق طويل الأمَد، غَرّدَ بشعره الأشقر الباهت والماكياج الأبيض الرخيص الذي يعتمده لخداع العين وإخفاء الهالات والشوائب، والذي لم يستَطع إخفاء فضائحه الأخلاقيّة وصفحات ملفّاته السوداء في جزيرة إيبستين، غَرّدَ هكذا ببساطة وسطحيّة مُعلِنًا قَتْل المُرْشِد الأعلى للثورة الإسلاميّة، أعلى سلطة دينيّة وسياسيّة في إيران؛ مَن يُمَثّل المرجعيّة الدينيّة العليا في البلاد، ويُنْظَر إليه عند الشيعة الإثني عشريّة باعتباره نائب الإمام المهدي الغائب.
هذا الدّود المَخفي تحت الرّخام، المهووس بالسلطة وبالجنس، المُتّهَم بالتحرّش بالأطفال وباغتصاب النساء، يُطَمئنُ الشعبَ الإيرانيّ أنّ السيّد الخامنئي لم يستطع الإفلات من أجهزة استِخباراتِه بالتعاون الوثيق مع إسرائيل، وأنّ مَوْتَه يُشَكّل الفرصة الأكبر للشعب الإيراني لاستعادة وطنه....".
هذا المُهَرّج الكاريكاتوريّ الهَزلي الذي لم يقرأ كتابًا يومًا، والذي يرى البشر آلات أموال أو أبقار حليب، لم يسمَع يومًا بفيكتور هوغو، ولا يعلَم من هم البؤساء، أو بلَفظٍ أدق "البائسون".
بعيدًا عن أيّ رمزيّة دينيّة، كان المُرْشِد الأعلى، السيّد علي خامنئي، الذي نشَأ في الحوزات العلميّة في مَشهَد وقُم، ودرَس الفقهَ والتفسيرَ والفلسفةَ الإسلاميّة، مرجعيّةً فكريّةً وثقافيّةً للشيعة عامّةً والإيرانيين خاصّة.
لم يكن مُجَرّد سياسيٍّ أو قائد، بل كان مُفَكّرًا استراتيجيًا، وازَنَ بين الدّين والأيديولوجيّة والفلسفة والسياسة والآداب.
كان نسيجًا حريريًا فكريًّا مثالًا للوعي التاريخيّ والعُمق؛ وقد عَبّرَ دَوْمًا عن إعجابه بالأدب العالمي، واستَلهَم من روايات فيكتور هوغو عن الظلم والفقراء والإنسانيّة المعذّبة.
حتى لو قتلَته أطنانٌ من القنابل، سوف يُخَلّده إرثٌ ثقافيٌ وفكريٌ ضخمٌ من كُتُب وفلسفات؛ إرثٌ لن تمحوه سطحيّة وبريق بائع أوهام وجنس سريع، اسمه دونالد ترامب.
2026-03-13 17:25:04 | 17 قراءة