عندما نَظَرَ الغَرْب شَرْقاً
السبت 31 كانون الثاني , 2026
موقع الخنادق
يَستَعرِض هذا المقال، الذي نشَره موقع "China us focus" وتَرْجَمَه موقع الخنادق الإلكتروني، انعكاسات زيارة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى الصين، التي وَصَفَها بأنها تُشَكّل تطوّراً مهماً في السياسة العالمية المعاصرة وانبثاق نظام عالمي جديد، لأنها لا تعكس فقط تنامي انخراط الغرب مع الشرق، بل تُشير أيضاً إلى تحوّل أوسع بات فيه الشرق نفسه بؤرةً للاهتمام السياسي والاقتصادي العالمي. واستَدَلّ على ذلك، بأنه في المرحلة الأخيرة من هذا النظام العالمي السابق، ومنذ أن تَوَلّت الولايات المتحدة قيادة العالم الغربي، عملت الدول الغربية في معظمها وفق التفضيلات الأمريكية، واصطَفّت -طوعاً أو كرهاً -مع مواقفها، فيما اليوم باتت هذه الدول تتفلّت من هذه التفضيلات نحو الصين.
النصّ المُتَرْجَم:
شَكّلَت زيارة مارك كارني إلى الصين تطوّراً مهماً في السياسة العالميّة المُعاصِرَة، إذ لا تعكس فقط تنامي انخراط الغرب مع الشرق، بل تُشير أيضاً إلى تَحَوّل أوسع بات فيه الشرق نفسه بؤرةً للاهتمام السياسي والاقتصادي العالمي.
بالنسبة للمجتمع الدولي، فإنّ الزيارة التي استمرّت 4 أيام إلى الصين في شهر يناير لرئيس الوزراء الكَنَدي مارك كارني، تُعَدّ تَحَوّلاً نموذجياً بكلّ ما للكلمة من معنى. ففي إطار النموذج السابق - الذي استمرّ قُروناً - كان من غير المُتَصَوّر أن تَنخرط دولة غربيّة مثل كَنَدا في تعاون استراتيجي بهذا الشكل مع دولة شرقيّة مثل الصين.
في المرحلة الأخيرة من هذا النموذج السابق، ومنذ أن تَوَلّت الولايات المتحدة قيادة العالم الغربي، عملت الدول الغربية في معظمها وفق التفضيلات الأمريكية، واصطَفّت -طَوْعاً أو كَرْهاً -مع مواقفها. أمّا الدول الشرقية، ولا سيما روسيا والصين، فقد نظَرت إلى الوضع إلى حدٍ كبيرٍ من خلال العدَسة نفسها التي اعتمَدَتها الولايات المتحدة.
تُواجِه الديمقراطيّات الغربيّة اليوم أمريكا "ترامبيّة"- مُختلفة جذرياً عن تلك التي عَرفتها سابقاً. فالولايات المتحدة السابقة لم تَبْدُ يوماً تهديداً صريحاً لحُلفائها، ولم تكن تُطلِق ضدّهم تهديدات مُباشرة. أمّا ترامب، فقد قال لكَنَدا إنه ينبغي لها أن تُعلِن نفسها الولاية الحادية والخمسين للولايات المتحدة وتخضع لسلطة الحكومة الأمريكية. كما واظَبَ على الإشارة إلى رئيس الوزراء السابق جاستن ترودو بوَصْفِه "الحاكم ترودو".
كما أصدَر ترامب تهديدات علنيّة للدنمارك بشأن غرينلاند. وفي أنحاء أوروبا، يُنَظّم الناس تظاهرات دعم لحُلفائهم، وبدأ شعار "اجعلوا أمريكا تَبتعد" يرتفع كمَطلب شعبي.
العاملان اللذان أفضَيا إلى النموذج الجديد يتمثّلان أساساً في سلوك ترامب المُتَعَجْرِف والنّرجسي والأناني والمصلحي؛ وفي إعادة ضبط السياسة الخارجية التي ظهَرت لدى حُلفاء الولايات المتحدة نتيجةً لذلك السلوك. وربما لا أحَد في مأمن من حكومة ترامبيّة. وحتى أوروبا لم تَعُد آمنة. ففي ظلّ ترامب، لا الدول المُجاوِرَة ولا البعيدة في أمان - لا الأعداء ولا الحُلفاء؛ لا الأمم المتحدة ولا محكمة العدل الدوليّة؛ لا القانون الدولي ولا الأخلاق الدوليّة؛ لا التجارة الدوليّة ولا البيئة الأرضيّة. فالمؤسّسات والتحالفات والمُعاهَدات الدوليّة كلّها مُعَرّضَة للخطَر. وكلّ هذه التأثيرات تَنبع من ترامب وتَزيد من حالة عدم الاستقرار العالمي.
ويرى كثيرٌ من الأمريكيين وغير الأمريكيين على السواء أنّ الولايات المتحدة نفسها ليست في مأمن من ترامب. ويكتب فريد زكريا، الكاتب المَعروف ومُقَدّم البرامج في CNN، أنّ ترامب مُصَمّم على تبديد ما حقّقته الولايات المتحدة عبر قَرْنٍ من الجهد المُتَواصِل.
الطّرَف الآخر
في المقابل تَقِف الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وثاني أكبر قوّة عسكرية وسياسية أيضاً. قيادتها ليست مُتَهَوّرة في استخدام القوّة، ولا تَميل إلى لغة التهديد في كلّ مناسبة وكلّ قضية؛ ولا سيما في تعاملها مع الدول الأضعَف، يتّسم نهجها بحُسْنِ النيّة والاحترام. وحتى تجاه الولايات المتحدة، فإنّ موقفها غير استفزازي، بل قائمٌ على الكرامة والسيادة والمُساواة. وهي تُوَجّه إلى العالم رسالة سلام وتنمية وتعايش وازدهار مشترك. وتُمارِس فعلياً احترام سيادة جميع الدول، وتُعَزّز القانون الدولي والمؤسّسات الدوليّة والاتفاقيات الدوليّة، وتُعامِل كلّ الدول بكَرامة ومُساواة.
أمّا أمريكا الترامبيّة فمختلفة؛ إذ تعمل وفْق عقيدة الهيمَنة والقوّة، وتسعى إلى فَرْض الحلول وتسوية النزاعات عبر الإكراه واستخدام القوّة الضاغطة، بينما تكسب الصين- المُرتَكِزَة إلى مبادئ الاحترام المُتَبادَل والتعايش السلمي - القلوب والعقول في الدول النامية. وحتى الدول المُتَقَدّمة بدأت تُدرِك هذا التباين، وشرَعت في إعادة توجيه سياساتها الخارجية وعلاقاتها الدوليّة تبعاً لذلك.
وتُعَدّ الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الكندي مثالاً على هذه الظاهرة. فمن بين حُلفاء الولايات المتحدة، ربما كانت كَنَدا الهدف الرئيسي لترامب، إذ تعرّضت مِراراً للإهانة والانتقاص. كما استَخدم ترامب الرّسوم الجمركيّة ضدّ كَنَدا بدرجة كبيرة من الشدّة. وتُشير زيارة رئيس الوزراء إلى أنّ الغرب لم يُوَجّه نَظَرَه شَرْقاً فحسب، بل مَدّ يدَه أيضاً.
مُجتمع عالمي مُنقسم
إنّ الانقسامات داخل المُجتمع الإنساني لم تَجلب سوى الألَم والمُعاناة. والانقسام بين الشرق والغرب أحد هذه الشروخ، وهو لا يُقَدّم فائدة حقيقيّة للناس العاديين، بل يخلق العوائق والمشقّات. ولا بدّ أن يقبل كلٌ من الشرق والغرب بالآخر إذا أُريدَ للمجتمع العالمي أن يُصبِح مجتمعاً إنسانياً بالمعنى الحقيقي. ومعاً، يُمكِن للشرق والغرب القضاء على الجهل والفقر والمرَض والحرب في العالم.
ومن أجل رفاه الإنسان وتقدّمه، احتضن الشرق منذ زمن طويل، وبقلب مفتوح، المؤسّسات والمبادئ والقوانين الدوليّة التي أنشأها الغرب.
ويمتلك الشرق القدرة على أداء دور قيادي في صياغة نظام عالمي أكثر شمولاً وتعاوناً. فالشرق، مثل الغرب، لديه الكفاءة والقدرة على تقديم القيادة للعالم. وقد كانت زيارة كارني إلى بكين، والاستقبال الحار الذي حَظِيَ به من قادة الصين، خبَراً ساراً للمُدافِعين عن السلام العالمي والاستقرار الدولي.
لقد شَكّلَت الزيارة تطوّراً مهماً في السياسة العالميّة المُعاصِرة، إذ تعكس ليس فقط تنامي انخراط الغرب مع الشرق، بل أيضاً تحوّلاً أوسع يصبح فيه الشرق بؤرة للاهتمام السياسي والاقتصادي العالمي. والأهم من ذلك، يُمكِن النظَر إلى الزيارة بوَصْفِها خطوة إيجابيّة نحو رَدْم الانقسامات العالميّة الطويلة الأمَد.
2026-02-10 11:23:05 | 13 قراءة