مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني...قرارات حاسمة في لحظة فاصلة
إذا تَوافَرَت الإرادة والوعي، فهناك طريق. والتاريخ الفلسطيني يَشهَد أن هذا الشعب، كلّما اقتَرَب من الهاوية، استَعادَ زمام المُبادَرة وأنقَذ قضيّته...
هاني المصري
موقع عرب 48
27/1/2026
لا مُبالَغَة في القول إنّ المشروع الوطني الفلسطيني، وأداة تجسيده التاريخيّة المُتَمَثّلَة في الحركة الوطنيّة بمختلف تعبيراتها، يَمُرّان اليوم بمأزقٍ بنيويٍ شامل، بل بحالة انهيار فعلي. ويكفي دليلًا على هذا أنّ القيادة الفلسطينيّة الرسميّة، وفصائل المقاومة، والنُّخب السياسيّة على اختلاف توجّهاتها ونيّاتها، قد وصلَت كلّها إلى طريق مَسدود؛ بدليل أنها باتت تُراهِن على خطّة ترامب وتَمنَحُها ثقةً سياسية، على الرّغم من أنّها خطّة مُعادِية جوهريًا، تهدف إلى فَرْض وصاية استعماريّة على قطاع غزّة، وتَرْك دولة الاحتلال (دولة الفصل العنصري) تُواصِل استباحة الضفة الغربية، وتُمْعِن في سياسة القضم التدريجي والضمّ الزاحف، بانتظار اللحظة المناسبة لإعلان الضمّ وفَرْض "السيادة" الإسرائيلية. لقد تَعامَلَت خطّة ترامب مع الشعب الفلسطيني بوَصْفِه مُجَرّد "سكّان"، ومع الأرض الفلسطينية مشروعًا عقاريًا، مُتَجاوِزَةً بشكل كامل مؤسّسات التمثيل الفلسطيني كافّة: منظّمة التحرير، والسلطة الفلسطينية، وسلطة الأمر الواقع في غزّة، والفصائل على اختلافها.
وجاء هذا التَجاوُز تحت أوهام مُتَناقِضَة: وَهْمٌ بأنّ عهدًا من الرّخاء والإعمار على الأبواب، ووَهْمُ عَودة السلطة إلى القطاع بعد القيام بإصلاحات "مُرْضِيَة" تُحَدّدها واشنطن وتل أبيب، ووَهْمُ بقاء سلطة الأمر الواقع لعدَم توافر بديل لها، في ظلّ سباق فلسطيني داخلي على تقديم "الخدَمات الأمنيّة" للاحتلال ولسَيّد البيت الأبيض، الذي شَكّل مجلس حرب وعدوان يُطلِق عليه زورًا "مجلس سلام"، لاعتماد هذا الطرَف أو ذاك، في حين يَجري تشكيل أدَوات جديدة غير مُحَمّلة بالإرث الفلسطيني المُقاوِم وتشابكاته وتعقيداته.
وتعامَلت الخطّة مع القضية الفلسطينية بوَصْفِها قضيّةً إنسانيّةً وإغاثيّةً بحتةً، من دون حتى وَعْد أو التزام بأُفُق سياسي أو بحقّ تقرير المصير. فالدولة الفلسطينية، وفق منطق الخطّة، ليست حقًّا بل "طموح" للشعب الفلسطيني، وقد تؤدّي (أو لا تؤدّي) إلى أُفُق سياسي غامض. وهكذا يجري استبدال مُعالَجَة جذور الصراع بإدارة الأزمة، والخضوع لوصاية دوليّة جديدة تُغَطّي على الاحتلال، والتعايش مع واقع يُصْنَع على حساب تصفية القضية الفلسطينية من جذورها. وهذا لن يقود إلى سلام واستقرار، بل إلى انفجارات، عاجلًا أم آجلًا.
رغم ذلك، حصلَت خطّة ترامب على شرعيّة دوليّة عبر قرار من مجلس الأمن، من دون أن يكون المجلس مرجعيّتها الفعليّة، وقادت إلى تشكيل ما يُسَمّى "مجلس السلام"، وهو في جوهره مجلس للهيمَنة وفَرْض شريعة الغاب، يُرادُ له أن يكون بديلًا من منظومة الأمم المتحدة، تحت قيادة دولة واحدة، بل شخص واحد. والدلالة الأوضح على طبيعته المُعادِية تَكْمُن في تحميل الضحيّة الفلسطينيّة المسؤوليّة عمّا فعَله (وتسبّب) به الجلّاد الإسرائيلي، وغياب أيّ تمثيل فلسطيني، مُقابِل حضور نتنياهو وعدد من أعداء الشعب الفلسطيني، فيما يخضع باقي المُشارِكين لفيتو "الرئيس الأبَدِيّ" للمجلس.
ليس المقصود ممّا سبَق الدعوة إلى رفض اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزّة أو مُقاطَعَتها، أو تحميلها ما لا تَحتَمِل، بل السعي إلى إنجاح دورها الخدَمي الإنساني ووضعه في حدوده، والتنبيه إلى أنها عَبْدٌ مأمورٌ وليست صاحبة قرار؛ ومع ضرورة حَصْر دورها في الجوانب الخدميّة والإغاثيّة، من دون تقديم تنازلات سياسية، بما فيها تكريس الفصل بين الضفة الغربية والقطاع، ومن دون مَنْحِها أيّ صفة تمثيليّة سياسيّة. فهي، كما عَبّرَ كاريكاتير ساخر بدِقّة مؤلمة: "خازوق" يُمَثّل "الخيار المُتاح لعدم وجود خيار آخر".
السؤال الجوهري: لماذا وصَلنا إلى هذا الحدّ؟ وكيف يُمكِن الخروج من هذا المأزق الكارثي؟ يؤكّد التاريخ الفلسطيني أن البدايات الجديدة مُمكِنة دائمًا بعد الأزَمات. فمنذ أكثر من مائة عام، ينهض الشعب الفلسطيني من تحت الركام، مَوْجَةً بعد مَوْجَة، وثَوْرَةً بعد أخرى: بعد النكبة، وبعد هزيمة حزيران، وبعد الخروج من لبنان، وبعد فشل "كامب ديفيد" (2000)، وبعد انسداد أُفُق أوسلو (1993)، وصولًا إلى "طوفان الأقصى" (2023)، الذي كان رَدّة فعل على الحصار وجرائم الاحتلال، ومَثّلَ مُحاوَلةً لكَسْر الحصار وتَجاوُز التهميش؛ لكنّه كان قفزة إلى السماء، وقاد (بفعل غياب الحسابات والرؤية والاستراتيجيّة والوحدة) إلى نتائج مُعاكِسة للأهداف المُعلَنة.
لا يُمكِن الخروج من المأزق البنيويّ الشامل من دون تشخيص دقيق وجريء للواقع. فالتشخيص الصحيح وحده يقود إلى العلاج المُناسِب. وهذا يتطلّب مُراجَعَةً نقديّةً عميقةً للتجربة الفلسطينية، واستخلاص الدروس من الأخطاء الفادحة، من دون الاكتفاء بإلقاء اللّوم على الأعداء والمؤامرات الخارجيّة؛ فالعامل الداخلي يتحمّل مسؤوليّةً أساسيّةً فيما وصَلنا إليه.
لماذا لم تتناسب الإنجازات المُتَحَقّقة، حتى في ذروة النهوض الوطني، مع حجم التضحيات الهائلة؟ ولماذا جرى الانتقال من مشروع التحرير والعودة إلى "سلطة على أيّ جزء يُحَرّر"، ثمّ إلى دولة على الأرض المحتلّة عام 67، ثمّ إلى دولة على جزء من الأرض المحتلّة، ثمّ إلى سُلْطَتَيْن مُتَنازِعَتَيْن تحت الاحتلال، وإلى أن أصبح بقاء السلطة والقيادة هو الهدف؟ ولماذا جرى التفريط بالرواية والحقوق التاريخيّة عبر الاعتراف بحقّ إسرائيل بالوجود، والتنسيق الأمني، والتبعيّة الاقتصاديّة، مُقابِل سراب التسوية والاعتراف الشكليّ بالمنظّمة؟
كيف يُمكِن الجَمْع بين المقاومة المُسَلّحة والسلطة الخاضعة لالتزامات مُجْحِفَة؟ ولماذا جرى التأرجح بين برنامج التحرير وبرنامج الدولة أو الجَمْع بينهما، والانتقال بين تخوين القيادة الرسمية وبين وضع المفاتيح كلّها في يدها في اتفاقات المُصالَحة، وتقديس الكفاح المُسَلّح وتجريمه، ثمّ تقديسه مُجَدّدًا، وتحويله من وسيلة إلى غاية بحَدّ ذاتها؟ فالمقاومة ليست صنَمًا نَعبُدُه، بل وسيلة تُستَخدَم بقَدر قُدرتها على تحقيق الأهداف؛ والتضحية ليست هدَفًا، بل وسيلة لتحقيق أهداف وطنيّة بأقلّ كلفة مُمكِنة.
ولماذا أُضعِفَ البُعْد العربي والإنساني الأُمَمي التحرّري للقضية الفلسطينية، والرّهان على الأعداء بدَل الأصدقاء؟ ولماذا سُمِحَ بسيادة نمط قيادة فردي زبائني أدّى إلى تجويف المؤسّسات، وتغييب المُحاسَبة، وتغليب أهل الولاء والثقة على أهل الكفاءة والكفاح، وانتشار الفساد، وحِرمان الشعب من حقّه في الاحتكام إلى صناديق الاقتراع؟
في ظلّ موازين القوى المُخْتَلّة، لسنا في مرحلة حلول نهائيّة: لا حلّ الدولتَين ولا حلّ الدولة الواحدة. نحن في مرحلة صمود وبقاء: الحفاظ على الأرض والإنسان والرواية، ومنع تصفية القضية. ورغم الواقع القاتم، فإن المعركة ليست خاسرة. فالمشروع الصهيوني، رغم فائض قوّته، يُعاني أزمات بنيويّة، وسقَطَت روايته أخلاقيًا على مستوى الرأي العام العالمي، حتى وإن لم ينعكس ذلك بعد على مستوى الحكومات.
العالَم القديم يَنهار، وعالَم جديد يَتَشَكّل في سياق تعدّديّة قطبيّة. ورغم المرحلة الانتقاليّة التي نشهَد فيها عودة الإمبراطوريّات، التي يأكل فيها القويّ الضعيف، يجب أن نعمل على جَمْع أسباب القوّة، خصوصًا أن العالَم يشهَد تغييرات إقليمية ودولية؛ وليس مضمونًا أن تحتفظ إسرائيل بعدها بالمَكانَة التي تمتّعت بها تاريخيًا. فإسرائيل لديها فائض قوّة حاليًا لن يكون لها مستقبلًا بحُكم الحرب المستمرّة والاستهداف الدائم لشعوب وبلدان المنطقة، التي لن ترضى باستمرار حالة العجز والتجزئة والضعف الحالية إلى الأبَد. والقضية الفلسطينية باتت رايةً للحرية والعدالة لدى شعوب العالَم.
استمرار الانقسام، رغم الإبادة الجماعيّة، لا يمكن تفسيره إلّا بتغليب المصالح الفئويّة والشخصيّة على المصلحة الوطنيّة. ومن دون تغيير النهج والرموز، لا يمكن إحياء منظّمة التحرير أو إصلاحها.
اليوم، وبعد وصول حركتي فتح وحماس إلى مأزق عميق لأسباب وظروف وأوقات مختلفة، ومع مُراعاة الفَرْق بين مَن قاوَم وبين مَن ساوَم، وفي غيابٍ فاعلٍ لليسار، تقِف الساحة الفلسطينية أمام خيارين: إمّا ميلاد حركة وطنيّة جديدة، تنبثق من رحِم القديم وتستفيد من إيجابيّاته في سياق جديد؛ أو الدخول في مرحلة تفكّك وانهيار من دون بديل مُنَظّم، ولو مؤقّتًا.
لا أُفُقَ تفاوضيًا في المدى المنظور لحَلٍ يُلَبّي الحدّ الأدنى من الحقوق الفلسطينية. بل إنّ حقيقة أنّ خطّة ترامب، وما انبثق منها من قرار مجلس الأمن ومن ما يُسَمّى بـ"مجلس سلام"، هي "اللّعبة الوحيدة في المدينة"، وما تدلّ عليه من السوء الذي وصلَت إليه الأوضاع الفلسطينية؛ فهي مُحاوَلة لفَرْض صيغة حديثة من الاستعمار في صورة وصاية وانتداب، لن تجلب الأمن والرخاء كما تَدّعي. وهذا يجعل السيناريوهات المطروحة فعليًا: إمّا سيناريو بقاء الوضع الراهن، أقلّ أو أكثر، ضمن صيغة إدارة الاحتلال؛ أو تَقَدّم سيناريو أسوأ يَتجسّد في فرض حلٍ لا يستجيب للحقوق الفلسطينية حتى في حدّها الأدنى، بل يُصَفّي القضية الفلسطينية من خلال تطبيق "أوسلو" ناقص، أو "صفقة القرن" ناقص؛ أو أن يمتلك الفلسطيني زمام المُبادَرة مُجَدّدًا.
وإذا استمرّت العوامل والأطراف وموازين القوى الحاليّة، فإنها ستُعَزّز إمّا سيناريو بقاء الوضع الراهن أو تَقَدّم سيناريو أسوأ، عناوينه الضمّ والتهجير والإبادة والفصل العنصري؛ وهذا في حال نجاح الائتلاف الحاكم الإسرائيلي في الانتخابات المقبلة؛ أو سيناريو فَرْض حلٍ تصفويٍ للقضية الفلسطينية من خلال إقامة كيان فلسطيني لا يملك من مُقَوّمات الدولة سوى الاسم، يمكن أن يُسَمّى "دولة"، خصوصًا إذا لم ينجح الائتلاف الحاكم حاليًا في إسرائيل وتشكّلت حكومة أقلّ تطرّفًا.
هذا الكيان/ الدولة قد يُحَقّق التخلّص من "الإزعاج" الذي تُشَكّله القضية الفلسطينية، ويُساعِد في إيجاد نوع من الاستقرار المطلوب في المنطقة لفَرْض الهيمَنة والاستثمار والصفقات واستكمال دَمْج إسرائيل في المنطقة، لأنّ هذا الكيان الفلسطيني يُلَبّي حاجةَ عدد من الدول العربية، وخصوصًا مصر والأردن والسعودية، ومَطلَب التحالف العالمي الواسع المُعتَرِف بالدولة الفلسطينية والمُطالِب بحلّ الدولتَين.
ويكون مركز هذا الكيان في قطاع غزّة، ويربط المَعازِل البشرية المُقَطّعة الأوصال في الضفة، ويمنَح سكّانه الهُويّة وجواز السفر، من خلال بقاء السلطة بعد استكمال تجديدها أو عبر إيجاد صيغة جديدة؛ لأنّ دولة الفصل العنصري تريد ضمّ الأرض من دون سكّانها حفاظًا على الطابع اليهودي لدولة إسرائيل.
هناك قرارات حاسمة مطلوبة فورًا؛ في مُقَدّمها قرار سياسي تأسيسي بإعلان انتهاء صلاحيّة نموذج "أوسلو" عمليًا، وصياغة رؤية واستراتيجيّة تحرّر وطني طويلة الأمَد، تجمَع بين الصمود والمقاومة ذات الجدوى، من دون التفريط بالحقوق التاريخية؛ قرار مؤسّساتي بإطلاق مَسار مُلزِم لإعادة بناء منظّمة التحرير على أساس وحدة القضية والأرض والشعب والرواية التاريخية، وعلى أُسُس ديمقراطيّة تمثيليّة. يبدأ العمل من خارجها حتى يَحدُث تغيير والتفاف شعبي وازن، ومن خلال بلورة رؤية شاملة تنبثق منها استراتيجيّات وحركات شعبيّة فاعلة، تنتهي بقيادة واحدة؛ فمؤسّسات منظّمة التحرير القائمة لا تُوَفّر حَيّزًا للعمل والتغيير والإصلاح من داخلها. والعمل على صياغة ميثاق وطني جديد يستوعب دروس العقود الماضية؛ المطلوب أيضًا قرار بشأن الانقسام، بإنهاء إدارته والانتقال إلى شراكة انتقاليّة ديمقراطيّة تبدأ بمن يُوافِق عليها، ومن تحت إلى فوق، وعبر تقديم النموذج بالقول والعمل؛ وقرار نضالي باعتماد المقاومة الشعبية الشاملة والمُستَدامَة، وضبْط العلاقة بين كلّ أشكال النضال ضمن استراتيجيّة مُوَحّدة وقيادة واحدة؛ وقرار دولي –قانوني بنقل مركز الثقل إلى الساحة الدولية، وبناء تحالف عالمي لعَزْل إسرائيل ومُعاقَبَتها سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا، وتفعيل أدَوات القانون الدولي والمُقاطَعَة.
أخيرًا، المأزق الفلسطيني وجوديّ وخطير. إدارة الأزمة لم تَعُد خيارًا، والانتظار لم يَعُد يحمي أحدًا أو يوقِف التدهور. اللحظة الرّاهنة تتطلّب قرارات شُجاعة تُعيد بناء المشروع الوطني وأداة تجسيده: الحركة الوطنية، قبل أن يفقد الفلسطينيون قُدرتهم على اتّخاذ القرار.
إذا توافَرت الإرادة والوعي، فهناك طريق. والتاريخ الفلسطيني يَشهَد أن هذا الشعب، كلّما اقتَرَب من الهاوية، استَعادَ زمام المُبادَرة وأنقَذ قضيّته. ما تَقَدّم مُجَرّد اجتهاد، لكنّه يُرَكّز في عناوين محوريّة، وعلى أمَل أن يُثير حوارًا يُفضي إلى وعيٍ أعمق ومُمارَسةٍ أفعل.
(مُداخَلَة شارك فيها الكاتب في مُنتَدى فلسطين السنوي في دورته الرابعة في الدّوْحَة).
2026-02-07 20:36:46 | 5 قراءة