اختلال ميزان القوى: لماذا تُصبِح المقاومة ضرورة؟
موقع الخنادق
22/1/2026
يُعَدّ اختلال ميزان القوى أحد المفاهيم الأكثر حُضورًا في تحليل الصراعات الحديثة، خصوصًا حين تَجْمَع المُعادَلة بين طرَفٍ يمتلك تفوّقًا عسكريًا وتكنولوجيًا واقتصاديًا واسعًا، وبين طرَفٍ آخر يَفْتَقِر إلى الإمكانات التقليديّة التي تسمح له بمواجهة هذا التفوّق ضمن قواعد الحرب النظاميّة. وفي مثل هذه الحالات، تَبْرُز مُقارَبات سياسيّة وأمنيّة ترى أنّ عدم التكافؤ يجعل خيار المقاومة المسلّحة غير عقلاني، بل يُشَكّل عبئًا استراتيجيًا ينبغي تفكيكه عبر نَزْع السلاح وتحييد الفاعلين غير الدولتيّين. غير أنّ هذا التصوّر، على الرّغم من انتشاره في الخطاب الدولي، يبدو مُتناقضًا مع مَنْطِق نشوء المقاومة في الأصل؛ كما يصطدم بتَراكُم واسع في أدبيّات العلاقات الدوليّة ودراسات الحروب غير المُتَماثِلَة.
تَنْطَلِق هذه الدراسة من فرضيّة مركزيّة مفادها أنّ المقاومة لا تُولَد من فائض القوّة بل من غيابها، وأنّ البيئة التي ينتج عنها اختلال هيكلي مُزمِن في موازين القوى هي ذاتها التي تُوَلّد الحاجة إلى المقاومة كأداة دفاعيّة ووظيفيّة. فحين يُغْلَق المجال السياسي الطبيعي، ويُفَرَّغ القانون الدولي من معناه الإجرائي، وتتحوّل علاقات السيطرة إلى نمَط قَهري يمنع المجتمع الخاضع من صون وجوده أو الدفاع عن حقوقه الأساسيّة، يُصبِح الفعل المُقاوِم تعبيرًا عن مُحاوَلة إعادة إنتاج القدرة على الفعل ضمن شروط مُخْتَلّة، لا مجرّد خيار أيديولوجي يُمكِن التخلّي عنه بقرار إداري أو خطاب سياسي.
تاريخ الشعوب يؤكّد أن المقاومة ليست ظاهرة طارئة ولا ردّ فعل عاطفيًا مُنْفَلِتًا، بل هي تعبيرٌ عن نزوع إنساني أصيل نحو الحريّة. فكلّ مجتمع يقع تحت وطأة الاحتلال أو الاستعمار أو السيطرة الخارجية يُطَوّر، بدرَجات مختلفة، أشكالًا من الرفض والمواجهة، تبدأ بالاحتجاج والمُمانعة الثقافية، وقد تنتهي بالمقاومة المسلّحة حين تُسَدّ السُّبُل الأخرى. وبذلك تصبح المقاومة ضرورة مرتبطة بسياق الاضطهاد لا بفكرة التفوّق، وهي غالبًا ما تنشأ عندما يعجز الطرَف الأضعف عن حماية ذاته عبر أدوات الدولة، أو عبر مظلّة قانونيّة دوليّة عادلة وفاعلة.
تتجسّد أهميّة المقاومة في كونها الوسيلة الواقعيّة المُتاحَة للطرَف الأضعف لمواجهة تفوّق الخَصم، ليس بهدف تحقيق انتصار عسكري تقليدي وسريع، بل بهدف إعادة تشكيل مُعادَلة القوّة بطريقة غير مُتَماثِلَة. فالمقاومة، في هذا السياق، تسعى إلى فرض قيود على حركة العدو عبر استراتيجيّات الردع غير التقليدي، وتحويل قدرته على الهجوم والهيمَنة إلى كلفة مستمرّة تمنعه من تحويل التفوّق إلى مَكاسِب صافية ودائمة. كما أن المقاومة تُحاوِل استنزاف الهيمَنة السياسية والنفسية والأخلاقية للخصم، بحيث يُصبِح استمرار السيطرة عبئًا بدَل أن يكون امتيازًا، إلى جانب دورها في صَوْن الهويّة والدّين والثقافة الوطنية أمام مشاريع الإخضاع الشامل؛ وهي أبعاد تتجاوز الاحتلال العسكري المُباشر إلى مواجهة مُحاوَلات محو الذات الجمعيّة وإعادة تشكيل المجتمع وفق إرادة القوّة المُهَيْمِنَة.
ولا تنشأ المقاومة من فراغ، بل من تفاعل شروط متعدّدة تدفع المجتمع إلى التحرّك. فالاحتلال المباشر، بما يتضمّنه من قمع وتمييز وإذلال، يُشَكّل عاملًا محوريًا في توليد الرفض. كما أن فشل آليات الردع التقليدي وعجز الجيوش النظاميّة عن توفير الحماية يفتح فراغًا أمنيًا ووظيفيًا يدفع المجتمعات إلى ابتكار أدوات دفاع ذاتي. كذلك، فإنّ استهداف الهويّة والمقدّسات يُضيف بُعْدًا وجوديًا للصراع، ويجعل المقاومة جزءًا من معركة الدفاع عن المعنى، لا عن الجغرافيا وحدها. وفوق ذلك كلّه، فإن غياب البدائل السياسية الواقعية وتراجع قنَوات التسوية العادلة يخلق بيئة يشعر فيها الطرَف الأضعف أن الاستسلام ليس خيارًا، وأن المقاومة هي الطريق الوحيد لحفظ الحدّ الأدنى من الحقوق والكرامة.
في هذا الإطار، ينبغي فهم اختلال ميزان القوى بوصفه حالة تفوّق طرَف على آخر في عناصر القوّة الصلبة، بما يشمل القدرات العسكرية، والتفوّق التكنولوجي، والمَوارِد الاقتصادية، والهيمَنة الجويّة والاستخباراتيّة. لكن الأدبيّات الحديثة تؤكّد أن ميزان القوى لا يُقاس بالقدرات الماديّة وحدها، إذ تلعب عوامل غير ملموسة دورًا حاسمًا، مثل الإرادة السياسية، وشرعية الأهداف، وقدرة المجتمع على تَحَمّل الكلفة، وطبيعة الصراع من حيث كَوْنِه وجوديًا أو محدودًا. ويبرز هنا تحليل أندرو ماك الذي يوضِح كيف تخسر الدول الكبرى حروبًا ضدّ فاعلين أصغر، ليس لأنها عاجزة ماديًا، بل لأن حسابات الربح والخسارة لدى الطرَف الأقوى تختلف جذريًا عن مَنْطِق الصراع عند الطرَف الأضعف الذي يَعتبر المعركة مسألة وجود لا مجرّد مصلحة عابرة. وبذلك فإن اختلال ميزان القوى لا يعني نهاية الصراع، بل غالبًا ما يُعيد تشكيله ضمن أنماط غير تقليديّة تَفرض على القوّة المُهَيْمِنَة خوْض حرب طويلة مُرْهِقَة تَفتَقد فيها إلى الحسم السياسي رغم التفوّق العسكري.
إنّ المقاومة في بيئة اختلال ميزان القوى تشتغل وفق مبادئ تجعلها قادرة على الاستمرار وتحقيق أثَر سياسي تَراكُمي. أوّل هذه المبادئ هو مبدأ اللاتماثل، الذي يقوم على تجنّب المُواجَهَة المُباشرة مع الخصم الأقوى، واعتماد أساليب مَرِنَة، مثل المُباغَتَة والتخفّي والاستنزاف. فبدَل الدخول في معركة مكشوفة تحسمها التكنولوجيا والتفوّق العدَدي، تختار المقاومة إيقاع الاشتباك بما يُناسبها، وتحوّل ضخامة آلة العدو إلى نقطة ضعف مُكْلِفَة وبطيئة. أما المبدأ الثاني، فهو تحويل القوّة إلى عبء استراتيجي، إذ لا تهدف المقاومة إلى تدمير القوّة العسكرية للخصم بشكل مُباشر، بل تسعى إلى جعل هذه القوّة عبئًا سياسيًا وأخلاقيًا واقتصاديًا عبر رفع الكلفة واستنزاف المَوارِد وتقويض الشرعيّة وكشف المُمارَسات القمعيّة أمام الرأي العام. وقد جَسّدَت حرب فيتنام هذا المَنْطِق حين تَحَوّل التفوّق العسكري الأمريكي إلى عبء داخلي وخارجي، دَفَعَ في النهاية إلى الانسحاب وإعادة النظَر في الاستراتيجيّة.
ويتّصل بذلك مبدأ الصبر الاستراتيجي الذي يرفض وَهْم النصر السريع، ويؤكّد أن المقاومة عمليّة تراكميّة طويلة الأمَد هَدَفُها كَسْر إرادة العدو لا الانتصار عليه في معركة كلاسيكيّة. فالانتصار الحقيقي، في كثير من تجارب الحروب غير المُتَماثِلَة، كان نتيجة تآكل الإرادة السياسية للطرَف الأقوى، بعدما أصبحت كلفة الاستمرار أعلى من جدوى البقاء. ويَبرز أيضًا مبدأ التقدير الميداني للقدرات والفُرَص، والذي يعني أن قراءة ميزان القوى ليست عمليّة نظريّة مجرّدة، بل تقدير عملي مُتَحَرّك يتطلّب خبرة عسكريّة وميدانيّة وقدرة على فَهْم التغيّرات والتقاط اللحظات المُناسبة، بعيدًا عن التبسيط الذي يساوي بين التفوّق العَدَديّ والحسم الفعلي.
إلى جانب ذلك، تكتسب المقاومة شرعيّتها من بُعْدِها الأخلاقي والتاريخي؛ فهي ليست فِعْل تهوّر أو نزوعًا عبَثِيًا، بل ردٌ على عدوان قائم يهدف إلى الإخضاع. وتتعزّز هذه الشرعية حين تكون المقاومة متّصلة بشرعيّة شعبيّة ومُشارَكة اجتماعية تمنحها عمقًا مُجتمعيًا يحميها من العزلة ويضمن استمرارها. فالتجارب التاريخية، من الجزائر إلى فيتنام وصولًا إلى نماذج مُعاصِرة، تُظْهِر أن المقاومة التي تنفصل عن مُجتمعها غالبًا ما تتفتّت، بينما المقاومة المُتَجَذّرة شعبيًا تُصبِح أكثر قدرة على الصمود وفَرْض مُعادَلات جديدة.
وعلى مستوى شروط النشأة، يُشَكّل الاحتلال أو السيطرة الأجنبيّة الشرط الأكثر مُباشرة لنشوء المقاومة؛ إلّا أنّ الأمر لا يتوقّف عند وجود الاحتلال وحده، بل يرتبط بوجود اختلال هيكليّ يمنع الطرَف الضعيف من امتلاك أدوات الدفاع التقليديّة، ويجعل الحاجة إلى وسائل غير تقليدية أمرًا منطقيًا. كما أنّ الغضب الشعبي، والهويّة الجماعيّة، والشعور بالانتماء والتضامن، عوامل تُسْهِم في تحويل الرفض إلى فعلٍ مُنَظّم، وتمنَح المقاومة القدرة على التحوّل إلى ظاهرة مُستَدامَة.
أما أبعاد المقاومة، فهي لا تُخْتَزَل في الاشتباك العسكري، بل تتجاوز ذلك إلى كَوْنِها عمليّة استعادة للذات الجمعيّة وتحقيق للتحرّر الاجتماعي والنفسي والثقافي، كما تؤكّد أدبيّات عديدة في هذا المجال. وفي حالات فشل الدولة عن أداء وظائفها الأساسيّة، يَظْهَر الفعل المُقاوِم بوَصْفِه بديلًا اضطراريًا يملأ الفراغ الأمني والوظيفي، لا بوَصْفِه نقيضًا للدولة بالضرورة. وضمن هذا الفهم، لا يُمكِن قراءة المقاومة كحالة طارئة أو انحراف عن النظام، بل كاستجابة بنيويّة لواقع السيطرة حين يُغْلَق المجال السياسي الطبيعي وتُفْرَض علاقة قوّة غير مُتَكافئة.
من زاوية القانون الدولي، يُقِرّ مبدأ حقّ تقرير المصير بشرعيّة مقاومة السيطرة الأجنبية. وقد كَرّسَت الأمم المتحدة هذا الحقّ عبر قرارات متعدّدة، أبرزها القرار 1514. كما أن التجارب التاريخية تؤكّد أن المقاومة المسلّحة لم تكن يومًا نتاج توازن القوى، بل نتاج غيابه. ففي الجزائر، واجهت جبهة التحرير الوطني قوّة استعماريّة كبرى؛ ومع ذلك استطاعت، عبر نقل الصراع من المجال العسكري إلى المجال السياسي، أن تفتح الطريق أمام إنهاء الاستعمار.
خلاصة القول إن المقاومة في ظلّ اختلال ميزان القوى ليست مُغامَرَة، ولا فعلًا خارج العقلانيّة؛ بل هي استجابة ضروريّة لحالة هيمَنة تمنع المجتمع من الدفاع عن حقوقه عبر الوسائل التقليدية. وهي أداة استراتيجيّة تهدف إلى تحويل تفوّق الخَصم إلى عبءٍ مستمر، وإعادة تشكيل المُعادَلات عبر الاستنزاف والصبر والمُرونة والتجذّر الشعبي. لذلك فإن المُطالَبة بنزع سلاح المقاومة دون مُعالَجة جذور الاختلال البنيويّ ليست وَصْفَة للاستقرار، بل تكريس للهيمَنة وإعادة إنتاج الصراع بأشكال أكثر تعقيدًا. وفي بيئاتٍ يَغيب فيها التوازن وتُفرَض فيها القوّة الأحاديّة، تبقى المقاومة إحدى أكثر الوسائل فاعليّة في حماية الأرض والهويّة والكرامة، وإثبات قدرة الشعوب على تحويل الاستضعاف إلى طاقة صمود واشتباك سياسي طويل النَّفَس.
الكاتب: غرفة التحرير.
2026-02-03 12:03:37 | 17 قراءة