من غرينلاند إلى الداخل الأميركي: بداية أفول الترامبيّة؟
بسام خالد الطيّارة
موقع 180 بوست
20/01/2026
هل بدأ يتسلّل الذعر إلى الدوائر المُقَرّبة من دونالد ترامب؟ هل يُنْذِر مثل هكذا حراك ببداية نهاية عهده؟ هل تُعَدّ مطالب ترامب المُتَصاعِدة بشأن غرينلاند وتهديداته بفرض رسوم جمركيّة مُتزايدة على عدد من حُلفائه الأوروبيين، إلى أن يُسمَح للولايات المتحدة بشراء الإقليم الدنماركي ذي الحُكم الذاتي، مُقامَرةً يائسة؟ أسئلة تجوب أجواء الساحة السياسية الأميركية، وكذلك في أحاديث الأميركيين، ولا أجوبة حاسمة حتى الآن. تَحظى سياسات دونالد ترامب بتأييدٍ مُتضائل، ليس فقط بين عامّة الناس، بل أيضًا، وبشكلٍ مُتَزايد، داخل المؤسّسة السياسية.
يوم الجمعة المُوافِق 16 كانون الثاني/يناير، بدأ وفدٌ من الحزبَيْن في الكونغرس الأميركي (الديموقراطي والجمهوري) زيارةً إلى كوبنهاغن تعبيراً عن دعمهم للدنمارك وغرينلاند في مواجهة طموحات الرئيس ترامب.. أتى هذا الحراك السياسي في أعقاب نشر بعثة عسكرية أوروبية – رمزية – في أراضي الإقليم المُتَنازَع عليه. ويكمُن الخوف الأكبر الذي يُحيط بالحراكات المُعارِضة لهذه السياسة من احتمال انهيار حلف شمال الأطلسي (الناتو)؛ إلّا أنّ مستقبل «الترامبيّة» لا يُحْسَم فقط في سهول القطب الشمالي المتجمّدة، بل يُحْسَم أيضًا على الأراضي الأميركية. فالتعبئة الشعبيّة تتزايد، وتُظهِر باستمرار تغلّبها على مخاوفها إزاء عنف وجرائم إدارة الهجرة والجمارك الأميركية ICE . لذا، لم يَعُد الحديث عن إمكانيّة عَزْل الرئيس ترامب ومُحاكَمته من المُحَرّمات. ومن هنا تَصاعَد عنف ترامب وتهديداته، سواء في الخارج، كما في غرينلاند مثلًا، أو في الداخل، مع مَنْحِه الحصانة قبل يومين لقَتَلَة إدارة الهجرة والجمارك، والتهديد المُبَطّن، وللمرّة الأولى، بإلغاء انتخابات التجديد النصفيّ المُقَرّرة في الخريف المقبل، والتي تتوقّع استطلاعات الرأي خسارةً مُدَوّية له. ولم يَسبق في تاريخ الولايات المتحدة أن طُرِح تعليق عمل مجلس الشيوخ و/أو مجلس النوّاب بسبب عدم إجراء الانتخابات. هذا هو الجديد في سياسة ترامب!
كما تُطلَق تهديدات أكثر حِدّة من البيت الأبيض، مثل تفعيل «قانون التمرّد»، الذي يَسمح للرئيس بفَرض الأحكام العُرْفِيّة في جميع أنحاء البلاد. وتمثّلت الخطوة الأولى في تعزيز قوّات إدارة الهجرة والجمارك، وربما يَليها استغلال الاضطرابات كذريعة لفرض «الأحكام العُرْفِيّة». ويرى العديد من المُراقِبين أن ترامب لا تُزعجه فكرة فَرْض… الديكتاتورية كنظام في الولايات المتحدة. لكن، سواء عن إدراكٍ لمَخاطِر سياسة ترامب أم لا، فإنّ الجمهور الأميركي يُكَثّف حراكه ضدّ ما يمكن اعتباره انقلابًا على المفاهيم الأميركية. هذه الحركة الشعبية الشاملة تُقلِق قاعدة ترامب المُسَمّاة “ماغا”MAGA ، أي «لنجعل أميركا عظيمة مجدّدًا»، ليس فقط لخَرْق إدارة الرئيس الأميركي القانون الدولي واستعداء الحُلفاء، بل بسبب إهمالها لحياتهم اليوميّة وقدرتهم الشرائيّة. وسيكون الإضراب العام في مينيسوتا في 23 كانون الثاني/يناير المُقْبِل نقطة البداية لإطلاق معارضة شعبية واسعة النطاق، ترفض جميع أشكال السلطة الاستبداديّة. ويُعَرقِل القضاء في عدّة ولايات جميع قرارات ترامب تقريبًا؛ كما بدأت الاعتراضات تَظهر داخل الكونغرس، بما في ذلك في أوساط الأعضاء الجمهوريين. حتى الآن، كان الجمهوريون يتغاضون عن كلّ شيء، لكنهم الآن يتّحدون، وبشكل مُتزايد، ديموقراطيين وجمهوريين على حدٍ سواء، ضدّ ترامب، مُطالِبين باستعادة السلطة التشريعية سيطرتها على السلطة التنفيذية. تكتَسب هذه الحركة زخمًا مُتزايدًا: ففي الأسبوع الثاني من كانون الثاني/يناير 2026، وبعد عام كامل من بدء ولاية ترامب الثانية في البيت الأبيض، رفَض النوّاب خطّة إدارته لخفض تمويل الوكالات العلميّة الفيدراليّة بشكل كبير. كما صوّت مجلس الشيوخ الأميركي على زيادة الميزانيّة التي اقتَرَحها ترامب للإدارة الوطنية للمُحيطات والغلاف الجويّ NOAA ووكالة “ناسا”، والمؤسّسة الوطنية للعلوم NSF بأغلبيّة 82 صوتًا مُقابِل 15. وكان أعضاء مجلس الشيوخ قد وافقوا على هذه الميزانيّة العامّة، التي تُمَوّل الوكالات العلميّة والبيئيّة وما يتّصل بها، حتى 30 أيلول/سبتمبر.
وفي مُوازاة الدعم الواسع من الحِزْبَيْن، أقَرّ مجلس النوّاب هذا القانون، الأسبوع الماضي، بأغلبيّة ساحقة (397 صوتًا مُقابِل 28). ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يُكَثّف أعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ جهودهم خوفًا من صناديق الاقتراع!
فَضْح إدارة الهجرة والجمارك
تَتَرَكّز المواجهة لدى الرأي العام حول تصرّفات إدارة الهجرة والجمارك الأميركية ICE ؛ في حين أطلَقت وزارة الداخلية، وهي الجهة المسؤولة عن إدارة الهجرة والجمارك، حملة توظيف لألف فَرْد، نظَرًا لانتشار عناصر الإدارة على جميع “الجبَهات”، وهو أمرٌ غير مسبوق. وقد أظهَرت تحقيقات صحافية أنّ ألف عنصر من عناصر إدارة الهجرة والجمارك قد استقالوا بالفعل، وأنّ هناك تقارير تُفيد بوجود مشكلات داخل هذه القوّة الأمنيّة الخاصّة. إذ، على الرّغم من الحصانة التي وعدَهم بها ترامب، فإنهم ليسوا بمنأى عن الملاحقات القانونية. علاوة على ذلك، تمّ نشر قاعدة بيانات على الإنترنت – مُتاحَة للجميع – تضم جميع تصرّفات هذه الإدارة وعنفها، مع سَرْد ردود الفعل العامّة. وتحتوي القاعدة على صوَر ومقاطع فيديو وشهادات؛ ويُشَجَّع الأميركيون على المساهمة فيها. وتقوم محطّات التلفزيون المحليّة في مينيسوتا بشرح الحقوق الأساسية للجمهور، ومنها، على سبيل المثال، أنه لا يحقّ لإدارة الهجرة والجمارك تفتيش المنازل لطلب إثبات الجنسية الأميركية دون إذْنٍ قضائي. وفي 30 كانون الثاني/يناير الجاري، من المُقَرّر أن يُصَوّت مجلس الشيوخ على ميزانيّة إدارة الهجرة والجمارك، والتي تتطلّب 60 صوتًا، وقد يكون من الصعب الحصول عليها؛ إذ بدأ البعض يدعو أعضاء مجلس الشيوخ إلى تقديم تشريع لحلّ إدارة الهجرة والجمارك.
على الصعيد المالي، تَدور معركة حامية بين البيت الأبيض والولايات التي يقودها الديمقراطيون: فقد أعلَن ترامب أنه، اعتبارًا من الأوّل من شباط/فبراير، ستَتوقّف الحكومة الفيدراليّة عن تقديم المساعدات للولايات الديموقراطية، ما يعني توقّف التمويل المُخَصّص للمدارس والمستشفيات العامّة وغيرها.
في الواقع، تَجْمَع الولايات الضرائب وتُحَوّلها إلى الميزانيّة المركزيّة، التي تُعيد بدورها توزيع جزء منها على الولايات. وقد رَدّت الولايات الأكثر تضرّرًا من قرارات ترامب، ولا سيما كاليفورنيا صاحبة أكبر ميزانيّة، بأنها ستَتوقّف عن دفع ضرائبها إلى الميزانيّة المركزيّة، ممّا سيَزيد الصعوبات في إقرار مُوازَنَة العام المُقبِل.
ويَنجَح ترامب في سدّ بعض الثغَرات في صفوف المعارضة التي يُواجِهُها، ولكن بصعوبة بالغة. فعلى سبيل المثال، قرّر مجلس الشيوخ الأميركي، بانحياز أصوات خمسة أعضاء جمهوريين، الحدّ من صلاحيّاته العسكرية؛ فثارَ غضبه، وطالب بطرد، بل بإقالة، المسؤولين المُنْتَخَبين الذين «خانوه». وبالفعل، تراجع اثنان منهم، ما حال دون فقدان ترامب لصلاحيّاته العسكرية. لكنّ تصويتًا جديدًا سيُجرى مجدّدًا على ميزانيّة الدفاع، حيث ستخضع صلاحيّات ترامب العسكرية للتدقيق مرّة أخرى.
التلاعب بالانتخابات النصفيّة
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، بدأت تهديدات دونالد ترامب تفقد حِدّتَها. أعلن «دون بيكون»، عضو مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية نبراسكا، وتبِعه عدد من زملائه، أنه يجب عزل ترامب إذا هاجم غرينلاند. ويُقال إن «جورج كونواي»، وهو جمهوري أيضًا، سيَتَرَشّح في انتخابات التجديد النصفي المقبلة عن الحزب الديموقراطي.
في الواقع، فشلت محاولة ترامب للتلاعب بالانتخابات القادمة. وبالتالي، ففي تكساس، وبرغم إعادة تقسيم الدوائر الانتخابيّة، قد يحصل الديموقراطيون على خمسة مقاعد إضافيّة. وفي فرجينيا، حيث يشغَل الديموقراطيون ستّة مقاعد والجمهوريون خمسة، قرّر المجلس التشريعي للولاية إضافة ثلاثة أو أربعة مقاعد قد تذهب إلى الديموقراطيين من خلال عملية إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية، على غرار كاليفورنيا التي مُنِحَت خمسة مقاعد إضافيّة من المُحتَمل أن يَقطفها الديموقراطيون. ترامب سيَخسر، والجمهوريون يُدرِكون ذلك؛ ويُحاولون الآن التخلّص من عبء ما ترَكه خلال «حُكْمِه» الذي دام عامًا واحدًا: لقد أصبح ترامب عبئًا. والدليل على ذلك واضح: فقد عَيّنَ ترامب أحد مؤيّديه رئيسًا لشبكة «سي بي إس»؛ وخلال أربعة أيام خسرت الشبكة ربع مُشاهِديها. حتى داخل «فوكس نيوز»، أكبر شبكة تلفزيونية داعمة لترامب، بدأ المُشاهِدون بالاحتجاج على موقعها على الشبكة. كان ترامب يرغب في تغيير اسم المركز الثقافي الرئيسي في العاصمة من «مركز كينيدي» إلى «مركز ترامب كينيدي». النتيجة: ألغى المُشْتَرِكون اشتراكاتهم، وألغى الفنّانون عُروضَهُم، ولم يَتَبَقَّ سوى عرض واحد مُجَدْوَل للأشهر الستّة القادمة، الأمر الذي قد يؤدّي إلى إفلاس المركز. وتلقّى عامِل في مصنع سيّارات «فورد» تبرّعات بقيمة 480 ألف دولار، وذلك بعد أن كان قد طُرِدَ بناءً على طلَب ترامب، لأنه صرَخ به «حامي المُتَحَرّشين بالأطفال» أثناء مرور الرئيس داخل المصنع مؤخّراً؛ فما كان من رئيس الولايات المتحدة إلّا أن ردّ عليه بإشارة بذيئة. وعلى الفور أُطْلِقَت حملة لجَمْع التبرّعات ودعم العامِل المُستَهدَف.
إنّ الحديث عن القدرة الشرائيّة للأميركيين يُسَلّط الضوء على فشل سياسة ترامب: فقد شهِدت أسعار المواد الغذائيّة ارتفاعًا ملحوظًا. كما كشفَت الأرقام الصادرة أمس زيادةً سنويّة قَدْرُها 19.8% في أسعار القهوة، و16.4% في أسعار لحوم البقر والعِجل، و10% في أسعار الحلويات، و6.9% في أسعار الدّواجن والأسماك، و5.9% في أسعار الموز، و5.2% في أسعار تذاكر الطيران… إلخ. علاوة على ذلك، سيَشهَد ملايين الأميركيين من ذوي الدّخل المحدود، مع نهاية شهر كانون الثاني/يناير، ارتفاعًا في أقساط التأمين الصحيّ نتيجة لتأثيرات ميزانيّة ترامب، ممّا سَيَضطرّ كثيرين إلى التخلّي عن الرعاية الطبيّة. وقد سعى الرئيس الأميركي إلى التخفيف من حِدّة هذه الصدمة من خلال مُطالَبَة المُشَرّعين الجمهوريين «بالتصويت ضدّ ميزانيّته» – أي ضدّ ما كانوا قد صَوّتوا عليه قبل أسابيع قليلة – الأمر الذي يَزيد من تقويض مصداقيّته داخل حزبه. لكن ما يُخَفّف من كآبة الجو هي الحكايات التي تتحدّث عن رئيسٍ جعَل نفسه أضحوكةً في نظَر العالم أجمع، بقبوله جائزة نوبل للسلام من حامِلَتِها الفنزويليّة ماريا ماتشادو، على الرّغم من مُعارَضة لجنة نوبل للسلام، ممّا حَوّلَ هذه الجائزة إلى مجرّد قطعة معدنيّة مُبْتَذَلَة.
2026-01-31 11:44:30 | 24 قراءة