في انتظار لينكولن... عِبَر علي الخامنئي السوفياتيّة
أجرى الخامنئي مُقارَنةً بين انهيار الاتحاد السوفياتي والخطط الأميركية لإسقاط النظام الإيراني، واستَخلَص عدّة عِبَر لصمود النظام... هل تَصِحّ تقديراته؟
رامي منصور
موقع عرب 48
18/1/2026
هل قَرّرَ دونالد ترامب، فعلًا، قصف إيران، واستهدافها عسكرياً بعمليّة جديّة؟ فهو لم يُصَرّح بذلك حَرفِياً، لكنه تعهّد للمُتَظاهِرين علَناً بالمساعدة! وهل ينوي فعلًا إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية في إيران؟ وهل هو قادرٌ فعلًا على ذلك؟ أم أنه يريد قيادة جديدة في إطار النظام ذاته من دون إسقاطه؟
يتعمّد ترامب إبقاء الإجابات على هذه التساؤلات مفتوحة، ولا يُلزِم نفسه بأيّ خيار، ويتّبع استراتيجيّة الوضوح بالتهديد، والوعيد المُباشر، والضبابيّة بالخيارات.
يُحَيّر الناس وقادة الدول بخصوص ما قد يفعله، حتى وصول حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس أبراهام لينكولن" إلى الشرق الأوسط من بحر الصين، خلال أسبوع أو أكثر بقليل، إذ تُشاع تقديرات بأن التأخير بمُهاجَمَة إيران سبَبه حاجة الولايات المتحدة لتعزيز انتشار قوّاتها في المنطقة، وتحديداً الدفاعات الجويّة، احترازاً من ردّة الفعل الإيرانية الهجومية على القواعد الأميركية المُجاوِرَة.
فالمنطقة والعالَم يسيرون على توقيت البارجة لينكولن. وربما يُفاجِئنا ترامب في أيّ لحظة بهجوم محدود يكون بمقدور إيران احتوائه، أو أكثر من ذلك أو أقل؛ يُجبِر النظام الإيراني على إجراء تعديلات في قيادته، وتقديم تنازلات في برنامجه الصاروخي على وجه التحديد، والمشروع النووي المُعَطّل بعد العدوان الإسرائيلي – الأميركي في حزيران/ يونيو 2025.
وفي الوقت الذي يُحاوِل فيه كُثُر تخمين ما قد يجنَح إليه ترامب تجاه إيران، يجري التقليل من شأن تحليل ما قد يجنَح إليه علي الخامنئي؛ فما يُصَوّره لنا الإعلام هو أنه رجل طاعن في السن، ويعيش في زمن الفتنة الإسلامية الكبرى في فجر الإسلام، ومُنفَصِل عن الواقع والزمان، ومُتَطَرّف ومُتَعَصّب إلى أبعد حد... لكنّ البحث في سيرته، وفي خياراته السابقة، تكشف عن رؤيته الواقعيّة للمواجهة مع الولايات المتحدة، ولاستهدافه.
منذ بدايات التصعيد الأميركي الأخير ضدّ طهران، والتساؤل عن إمكانيّة إسقاط النظام الإيراني يُحيل إلى تجربة سقوط الاتحاد السوفياتي، باستنزافه من الداخل، وإفلاسه الاقتصادي، وشيوع الفقر. فسقوط الاتحاد السوفياتي لم يكن بثورة شعبيّة، أو عمليّة عسكريّة خارجيّة، بل نتيجة ضغوطات داخلية استنزَفته، مُرتَبِطَة بالسياسات الداخليّة، وطبيعة القيادة أيضاً، وعوامل خارجيّة أخرى.
والخامنئي نفسه أجرى مُقارَنةً بين انهيار الاتحاد السوفياتي، والخطط الأميركية لإسقاط النظام الإيراني. فقد نقلَت مجلّة "فورين أفيرز"، في العام 2013، تصريحات لخامنئي من العام 2000 خلال اجتماع مع مسؤولين إيرانيين بهذا الشأن.
قال الخامنئي، بحسب المجلّة، إنه قد "وُضِعَت خطّة أميركية شاملة لإسقاط النظام الجمهوري الإسلامي، ودُرِسَت جميع جوانبها. أُعيدَت صياغة هذه الخطّة انطلاقاً من انهيار الاتحاد السوفياتي. لقد أعادوا، في تصوّراتهم الخاصّة، إحياء خطّة إسقاط السوفييت بما يتناسب مع الظروف في إيران".
وتطرّق إلى عوامل داخلية تسبّبت بانهيار الاتحاد السوفياتي، مثل: الفقر، والقمع، والفساد، والتوتّرات العِرقيّة والقوميّة، وأنّ الولايات المتحدة استَثمَرت هذه العوامل واستغلّتها؛ لدفع الاتحاد السوفياتي نحو الانهيار، من خلال التلاعب بوسائل الإعلام، أو الغزو الثقافي، أو مُمارَسة الضغوط السياسية والاقتصادية.
الاختلاف عن الاتحاد السوفياتي
في نظَر الخامنئي، تختلف تجربة الجمهورية الإسلامية في إيران عن تجربة الاتحاد السوفياتي، إذ الإسلام في نظَره مختلف عن الشيوعية؛ ليس أيديولوجيّة مُتَبَنّاة حديثاً، فرَضها حزبٌ حاكمٌ بعد انتصاره في حرب أهليّة، وأنّ إيران تتمتّع بتاريخ مُمتَد من الوحدة الوطنية؛ إذ اعتبَر في مُقارَنته الديمغرافيّة بين الجمهورية الإسلامية والاتحاد السوفياتي، أنّ مُكَوّنات إيران السكانيّة لم تتشكّل من خلال التوسّع الإمبريالي، وحروب الغزو على مرّ القرون الأخيرة، كما كان الحال مع الإمبراطوريّة الروسيّة التي وَرِثَها النظام السوفياتي، وأنّ الجمهوريّة الإسلاميّة هي نتاج ثورة شعبيّة، وتتمتّع بشرعيّة دينيّة كبيرة.
عِبَر الخامنئي
لتَجَنّب مصير الاتحاد السوفياتي، يَستَخلِص الخامنئي في حديثه عدّة عِبَر، على النظام الالتفات إليها، والالتزام بها:
قَمْع المُتَمَرّدين السياسيين المُحتَمَلين محلّياً أو تقويضهم، أو ما اعتَبَره "النسخ الإيرانيّة المحليّة من بوريس يلتسين"؛ والإعلان بوضوح عن الإصلاحات حتى لا يُساء فهمها أو تُشَوَّه، وأن "تقود هذه الإصلاحات جهة مركزيّة قويّة وضابطة؛ حتى لا تخرج عن السيطرة"؛ ومَنْع وسائل الإعلام من تقويض الحكومة؛ وأخيراً، كَبْح جماح تدخّل القوى الخارجية، كالولايات المتحدة وإسرائيل.
رَفْض "السيادة المُزْدَوَجَة"
تشهَد إيران انتخابات بلديّة، وبرلمانيّة، ولمجلس الخُبراء، والقضاء، وكذلك الانتخابات الرئاسيّة بشكل دوريّ. وتَنحصِر الأخيرة، أساساً، بالمُنافَسة بين مُرَشّحين يُمَثّلون التيّارين: المُحافِظ، والإصلاحي.
ويعتقد الخامنئي أن الولايات المتحدة وإسرائيل تستغلّان هذه الانتخابات، لصنع ما سمّاه "السيادة المُزْدَوَجَة"، من خلال إحداث انقسام بين المُرشِد الأعلى، والمسؤولين المُنْتَخَبين بوصفِهم "الحُلفاء المحلّيين" للغرب، بحسب ما نقلَت "فورين أفيرز" عنه؛ وهو على قناعة راسخة بأنّ أعداء إيران يُريدون تحويل سلطة "ولاية الفقيه" المُطلَقَة إلى مجرّد هيكل فارغ، وفي ذهنه تجربتان؛
الأولى، تجربة الانقلاب الأميركي على حكومة محمّد مصدّق في بداية خمسينيّات القرن الماضي، بعدما سعى إلى تأميم النفط الإيراني، وسيطرة الأجهزة الأميركية بعد ذلك على مَفاصِل الحُكم بعد عودة الشاه محمد رضا، إذ تَحَوّل الأخير إلى دُمْيَة بيَد المخابرات الأميركية.
في فترة حكومة مصدّق، بدَت إيران وكأنها تُدار بـ"سيادة مُزدوَجة"، الشاه ومجلس النوّاب - الحكومة، إذ كان المجلس يفرض على المَلِك قرارات تصل حتى تأميم النفط (والصيد). ويُطْلَق على الانقلاب على مصدّق "الانقلاب المُضاد"، على اعتبار أنه انقلاب على انقلاب مجلس النوّاب والحكومة على الشاه، من خلال انتزاع صلاحيّات اتخاذ القرارات.
والثانية، تجربة الإصلاحي محمّد خاتمي، وفوزه في الانتخابات الرئاسية التي جرَت في أيار/مايو 1997. إذ تُشير "فورين أفيرز" إلى استخدام من وَصَفَته بـ"كبير الاستراتيجيين الإصلاحيين في إيران"، سعيد حجاريان، مفهومَ السيادة المُزدَوَجَة كأداة تحليليّة، لوصف تغيّر موازين القوى في إيران بعد فوز خاتمي. وقد هاجم الخامنئي هذه "السيادة"، واعتبرها تخريبيّة، وجرَت مُحاوَلة اغتيال حجاريان نفسه.
هذه المرّة، ليس التحدّي المطروح على نظام ولاية الفقيه فَرْض المزيد من العقوبات، والحصار الاقتصادي، بل مُطالَبات بـ"تجديد القيادة"، أي تغيير وجه النظام ووجهته؛ أي ليس مطروحاً مفهوم الـ"سيادة مُزدوَجة" التي يخشى منها، ويُهاجِمها المُرْشِد الأعلى، وليس مطلوباً منه تخلّي الإيرانيين عن المذهب الشيعي؛ بل المطلوب تخلّي النظام عن أيديولوجيّته الدينيّة كمشروع إقليمي، والخضوع للرّغبات الأميركية.
لكن قد يتساءل أيّ مسؤول عاقل في النظام الإيراني، ما الذي سيَحصل عليه النظام مقابل أيّ تنازل لترامب، سواء كان تنازلًا على مستوى قيادة النظام، أو مشروع الصواريخ وتقليص مَداها، أو التخلّي عن اليورانيوم المُخَصّب، أو نَقْله لدولة أخرى؟
أجاد الخامنئي تحليل أسباب انهيار الاتحاد السوفياتي، لكن هل أجاد تشخيص الفروقات مع النظام الإيراني الحالي؟ إذ إن تحدّياته الحاليّة أصعب من التحدّيات التي واجهَها السوفييت، ويفرض عليه طرف خارجي بتهديد السلاح أن يُغَيّر جِلدَه. المعروض عليه هو الخضوع من دون مُقابِل مُعلَن.
كما أنّ الاتحاد السوفياتي لم يُواجِه تحدّيات اقتصادية داخلية - حتى التمرّد - تفرضها الطبقة الوسطى التي نمّاها النظام في المُدُن الرئيسية، ولا عقوبات اقتصادية ممتدّة، ولم يكن نظاماً معزولاً دولياً كما إيران؛ في حين تُواجِه إيران تحدّيات داخليّة إثنيّة وعِرقيّة حقيقيّة، خلافاً لما استخلَصه الخامنئي في تمييز إيران عن الاتحاد السوفياتي. وهذه التحدّيات هي ثغرة للقوى الخارجية.
وصيّة روزفلت
قاد ضابط المخابرات الأميركي، كيرميت روزفلت، عمليّة "أجاكس" للانقلاب على حكومة محمّد مصدّق. ويوم 4 أيلول/ سبتمبر 1953، قَدّمَ تقريراً عن العمليّة للبيت الأبيض، وخلص إلى الآتي، كما اقتبَس منه محمّد حسنين هيكل في كتابه "مدافع آية الله" (1981):
"إنّ نجاح العمليّة (عمليّة الانقلاب) يرجع إلى أنّ تحليلات الوكالة المركزية للمخابرات كانت صحيحة. فقد توصّلت الوكالة إلى نتيجة، وهي أن الشعب الإيراني والجيش، إذا ما تبيّنوا أنه ينبغي عليهم الاختيار، وكان مصدّق هو الذي فرَض عليهم هذا الاختيار، بين مَلِكِهِم، وبين شخصيّة ثوريّة يؤيّدها الاتحاد السوفياتي، فإنّهم قادرون على اختيار واحد فقط يرغبون فيه ولا شك.
ولذا إذا فكّر الجهاز المركزي للمخابرات بأن يقوم بمثل هذه العمليّة مرّة أخرى، فعليه أن يكون على يقين مُماثل بأنّ جيش البلد المعنيّة وشعبها يريدان الأشياء نفسها، تماماً مثل الجهاز المركزي للمخابرات. أما إذا كان الوضع مختلفاً، فليَعهَد بالأمر إذن إلى مُشاة البحريّة".
من المُستَبعَد أن نرى مُشاة البحريّة الأميركيّة في شوارع طهران؛ لكن هل كان الخامنئي مُحِقاً في التمايز الذي استَخلَصَه بين الجمهورية الإسلامية والاتحاد السوفياتي، وأسباب انهياره الداخلية تحديداً، فيما تُواجِه الجمهورية الإسلامية ضغوطات داخلية وخارجية؟
2026-01-31 11:38:33 | 24 قراءة