التصنيفات » مقالات سياسية

حرب الغلاف الصخري من تدمر إلى قوس أورينكو

حرب الغلاف الصخري من تدمر إلى قوس أورينكو

الكاتب: خليل القاضي
موقع الخنادق 
19/1/2026

ارتبطت السيطَرة على مصادر الطاقة، ولا سيما التقليديّة منها، بالثروة لبعض الدول، وبالحرب واللّعنة لدول أخرى. تاريخ القرن العشرين يَكاد يُقرَأ من خلال هذا المنظار وحده. غير أنّ ما تَغَيّر خلال العقود الثلاثة الأخيرة ليس مَنطِق الصراع فحسب، بل مادّته الخام. فحروب كثيرة اندلعَت في دول لم يكن النفط حاضرًا في حساباتها، ولا الغاز جزءًا من وعيها السيادي؛ ومع ذلك دُفِعَت إلى الفوضى والخراب، قبل أن يتبيّن لاحقًا أنّ باطن الأرض كان يَعرِف أكثر ممّا عَرِفَه السّاسة.
مع تَسارُع الثورة التكنولوجيّة، وانكشاف بعض أسرارها، لم يَعُد النفط هو عصَب الاقتصاد العالمي وحده. الصناعات الجديدة، من الرقائق الإلكترونية إلى الذكاء الاصطناعي، ومن الطاقة النظيفة إلى أنظمة التسليح الدقيقة، باتت تقوم على مَعادِن نادرة، يصعب تعويضها، ويستحيل تصنيع بدائل لها. هنا بدأ السيليكون يتقدّم إلى الواجهة، ثم الليثيوم والتيتانيوم. ولا يمكن في هذا السياق تجاهل اليورانيوم المُخَصّب طبيعيًا. ومع هذا التحوّل، انفتَحت شهيّة قوى قديمة كانت قد خَزّنَت، بصمت، خرائط ودراسات جيولوجيّة لعقود، قبل أن تَجِدَ نفسها أمام مُنافِسين جُدُد يُطالِبون بنصيبهم من باطن الأرض.
لم يَعُد الصراع صراع مصانع ومن يملك خطوط الإنتاج، بل صراعًا على الجغرافيا التي تُنتِج المادّة الأوليّة نفسها. من هنا، بدأت تتشكّل حرب غير مَرئيّة، لا تُخاض على الشاشات، ولا تُعلَن في البيانات الرسمية، لكنها تُدارُ بعمق شديد. حربٌ بات بعض الباحثين يُطلِقون عليها اسم "حرب الغلاف الصخري".
في هذا السياق، لا تبدو سوريا حالة استثنائيّة. فالحرب التي عصفَت بها لم تكن فقط نتيجة موقعها الجيوسياسي، على أهميّته، بل ارتبَطت أيضًا بما تختزنه بادية سوريا في وسط البلاد، وصولًا إلى البقاع الشمالي في لبنان ضمنيًا. دراسات أعَدّتها مراكز بريطانية متخصّصة كشفَت أنّ هذه المساحة الشاسعة غنيّة بالسيليكون عالي الجودة، بنسبة نقاوة تتجاوز 85%، فضلًا عن وجود الليثيوم في مناطق السخنة، وبين حمص ودير الزور، على امتداد الأكتاف الجيولوجيّة لتدمر.
ضمن هذا الإطار، يُصبِح مفهومًا لماذا اندفعَت تنظيمات مسلّحة، كتنظيم داعش وجبهة النصرة، للسيطرة على هذه المناطق تحديدًا. لم يكن الأمر مجرّد تمدّد عسكري أو عبَث أيديولوجي. التوجيهات الاستخبارية البريطانية والأميركية كانت واضحة في هذا المسار، سواء عبر الاحتلال المُباشر للبادية السورية، أو عبر التمركز في القلَمون الغربي، وصولًا إلى البقاع الشمالي، حيث دخلت بريطانيا بذريعة بناء أبراج مُراقَبَة، فيما كانت العَيْن في الواقع على ما تحت الأرض لا ما فوقها. تلك كانت إحدى البروفات المُبكِرَة لحرب الغلاف الصخري، قبل أن تنتقل إلى مسارح أبعَد وأكثر وضوحًا.
من هنا، يصبح الانتقال إلى فنزويلا انتقالًا منطقيًا لا قفزة تحليليّة. فما جرى هناك لا يُمكِن قراءته من زاوية الاتّهامات السياسيّة أو القضائيّة وحدها، ولا حتى من باب السيطرة على أكبر احتياطي نفطي مؤكّد في العالم. المُفارَقة أنّ النفط، في هذه المرحلة، لم يَعُد الجائزة الكبرى. الكنز الحقيقي كان، ولا يزال، في "قوس أورينوكو".
هذه المنطقة، الواقعة جنوب فنزويلّا، تُعَدّ واحدة من أغنى المناطق الجيولوجيّة في العالم. التقديرات تتحدّث عن ثروات معدنيّة نادرة تصل قيمتها إلى ما بين 1.4 و1.5 تريليون دولار. نحن هنا أمام معادن تدخل مباشرة في قلب الاقتصاد التكنولوجي العالمي: بطّاريات السيّارات الكهربائيّة، الهواتف الذكيّة، الأقمار الصناعيّة، أنظمة التوجيه العسكري، وكلّ ما يُشَكّل عصَب القوّة في القرن الحادي والعشرين.
الصين أدرَكت ذلك مُبكِرًا. منذ تسعينيّات القرن الماضي، استثمَرت بكين أكثر من 62 مليار دولار في فنزويلّا، ليس بدافع الكرَم أو الشراكة السياسية، بل ضمن استراتيجيّة طويلة الأمَد هدَفت إلى تأمين تدفّق شبه حصري لهذه المَوارِد. الأهم من المال كان ما راكمَته الصين من معرفة: خرائط جيولوجيّة دقيقة، ومسوح تفصيليّة لباطن الأرض، شكّلت رأس مال استراتيجيًا لا يُقَدّر بثمَن.
الخسارة الصينيّة، في هذا السياق، لم تكن ماليّة فقط. الخطَر الحقيقي تمثّل في انتقال هذه المعرفة، أو فقدان السيطرة عليها، مع تَغَيّر موازين القوّة داخل فنزويلّا. فـ"قوس أورينوكو" يمتد عبر أربع مناطق رئيسية، أخطرها القطاع الغربي، الذي يُعَدّ من أكبر مخازن معدن الكولتان في العالم، وهو عنصر لا غنى عنه في الصناعات الإلكترونية المتقدّمة وأنظمة التسليح الذكي. هذه المنطقة، التي كانت سابقًا مسرحًا للجماعات المسلّحة وشبكات التهريب، تحوّلت إلى ساحة تنافس دولي مباشر، حيث تختلط الحسابات العسكرية بالمصالح التكنولوجيّة.
ما جرى في فنزويلّا يتجاوز فكرة تغيير نظام سياسي، أو إعادة تموضع دبلوماسي. نحن أمام عودة صريحة لمنطق مناطق النفوذ، لكن بصيغة جيولوجيّة. السيادة الوطنية، في عالم اليوم، لم تَعُد كافية لحماية الثروات، إذا لم تكن مدعومة بقوّة ردع أو بتحالفات قادرة على فرض كلفة حقيقيّة على الطامعين. حروب المستقبل لن تُخاضَ من أجل الحدود، بل من أجل ما يُخفيه الغلاف الصخري في أعماق الأرض.
بين تدمر وقوس أورينوكو، تتشكّل ملامح هذا العالم الجديد. سوريا كانت إحدى مُقَدّماته الدامية، وفنزويلّا إحدى ساحات اختباره الكبرى. وما بينهما، يتّضح أن الصراع القادم سيكون على المعرفة الجيولوجيّة قبل الأرض، وعلى الخرائط قبل الجيوش. هنا، تحديدًا، يكمُن جوهر "حرب الغلاف الصخري".
 

 

2026-01-29 11:36:27 | 48 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية