تقرير: سياسة ترامب الخارجيّة الجديدة تُغَيّر طبيعة العلاقات الدوليّة
يَنتَهِج الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، نهجاً جديداً في السياسة الأميركية الخارجية، يتضمّن العمل العسكري المُباشر، والتهديد به، وبقَطْع المساعدات الاقتصادية، وبفَرْض الضرائب الباهظة. فكيف يُسهِم النهج الأميركي الجديد بإعادة تشكيل علاقة أميركا بالعالَم ؟
عرب 48
17/1/2026
تشهَد العلاقات الدوليّة تغيّراً لافتاً في فترة الحُكم الثانية للرئيس ترامب، إثر النهج الجديد للرئيس الأميركي في التعامل مع العالم، الذي يستغلّ القوّة الأميركية العسكرية لكسب المفاوضات، وضمان المصالح الأميركية.
في ما يلي تقرير لمجلّة "التايم"، في مُحاوَلة للإجابة عن السؤال: كيف تُسهِم مُناوَرات ترامب في السياسة الخارجية في إعادة تشكيل العالم؟
تهديد ترامب للدول لكَسْب التنازلات
عشيّة افتتاح فترة حُكمه الثانية، شغَل ترامب العالم بتصريحه بوجوب استعادة الهيمَنة على قناة بنَما، مُخِلًّا، بهذا التصريح، باستقرار العلاقة بين البلدَين، إذ اتّهم بنَما بتدفيع الولايات المتحدة مبالغ باهظة للعبور من القناة، وبسماحها للصين بامتلاك تأثير كبير في عمليات القناة.
وتُعتَبَر هذه الحادثة إشارة أولى إلى التغيّر العميق الذي ستَتّصف به علاقة الولايات المتحدة بسائر العالم.
ونتَج عن تهديدات ترامب الشديدة لرئيس بنَما، خوزي راول مولينو، أن وافَق الأخير سريعاً على عدد من التنازلات للرئيس الأميركي، تشمل إعادة النظر في استثمارات الصين في بلاده.
استخدام القوّة العسكرية الأميركية
لم يَكتَفِ ترامب بالتهديد وسيلة للتفاوض كما فعل مع بنَما، فأعطى الضوء الأخضر بعدها لعمليّة عسكريّة جريئة، اختطَفت فيها القوّات الأميركية الخاصّة رئيس فنزويلّا، نيكولاس مادورو، واقتادَته إلى نيويورك للمُحاكَمَة.
ووصَف ترامب هذه الحركة بأنها ضربة قويّة ضدّ الإتجار بالمخدّرات، وبأنها تُمَكّن الولايات المتحدة من التصرّف بمخزون النفط الوفير في فنزويلّا.
وكانت هذه العملية أكبر استخدام أميركي للقوّة العسكرية في الجزء الغربي من العالم منذ عقود، ومثّلت عَرْضاً صاعقاً لاستعداد ترامب للتصرّف بشكلٍ أحادي، مُتَجاهِلًا أسلوب بناء التحالفات الدقيقة، التي ميّززت التدخّلات الأميركية الخارجية في ما مضى.
سياسة ترامب في عامِه الأوّل تمتاز بالفظاظة
امتازت سياسة ترامب الخارجية في عامِه الأوّل من فترة حُكمِه الثانية بالفظاظة. في تَعاقُب سريع، قَصَفَ ميليشيات الحوثي في اليمن، ومُنشَآت نووية إيرانية، وتَوَسّط وقف إطلاق نار هشّ في غزة، وأجبَر قيادات أوروبية على زيادة إنفاقاتها العسكرية، واستخلَص تعهّدات دوليّة استراتيجيّة من الصين، وطالَب الدنمارك بتسليم جزيرة غرينلاند، وهدّد بفرض ضرائب باهظة على كافّة شركاء الولايات المتحدة التجاريين المُعتَبَرين؛ بالإضافة إلى إنفاق المليارات لكفالة رئيس أرجنتيني، والإفراج عن رئيس هندوراس السابق المُدان بتجارة المخدّرات، وإقرار ضرَبات عسكرية على سُفُن في المُحيطَيْن الكاريبي والهادئ بزَعم نقلها للمخدّرات، التي أودَت بحياة أكثر من 95 شخصاً، الأمر الذي أدّى إلى اتّهام الولايات المتحدة بجرائم حرب. كما أشار ترامب مؤخّرًا إلى أنّ توجيه ضرَبات عسكرية لإيران قد يكون وشيكاً، في ظلّ الاحتجاجات الجارية في الجمهورية الإيرانية.
عقيدة ترامب السياسية
يرى مُحَلّلون أنّ عقيدة ترامب السياسية في فترة حُكمِه الثانية هي: استخدام القوّة الأميركية وسيلة للضغط، وهو ما يُفَسّر انتشار التحرّكات الأميركية على نطاق جغرافيّ واسع في عامه الأوّل من فترة حُكمِه الثانية، الأمر الذي لم يفعله رئيس أميركي سابق في العصر الحديث.
وقد حوّلت دبلوماسية ترامب المحمومة السياسةَ الخارجية الأميركية إلى عمل فردي، مُنَحّيَةً النظام السابق الذي اتّسمت به السياسة الأميركية الخارجية. وقد نَوّهَ خُبراء بأنّ دائرة التأثير حول الرئيس ضيّقة، تشمل مُستَشارين مُختارين وفق الولاء للرئيس، لا وفقاً للخبرة.
وقد أدّى التوجّه الجديد لترامب في السياسة الخارجية الأميركية إلى زَعْزَعَة العلاقات الدبلوماسية العالمية، التي اتّسمت بالاستقرار قبل ذلك، واحتاجَت إلى تنسيق دقيق من وراء الكواليس لإحلال أصغر التغييرات.
فمن ثمَرات فترة حُكم ترامب الثانية، أنْ شجّع مسؤولون كبار في الولايات المتحدة صعود الحركات اليمينيّة في أوروبا، وأيّدوا قطع المساعدات الخارجية، الأمر الذي أدّى إلى إطلاق تحذيرات من وفيّات يمكن تَجَنّبها في الدول النامية.
فوضويّة قرارات ترامب
لاحَظ المُحَلّلون أنّ قرارات ترامب الفوضويّة وغير المدروسة تُفضي إلى نتائج مؤقّتة. في غزّة مثلًا، كبَح وقف إطلاق النار من حِدّة القتال، لكنه ترَك القطاع مُفتَقِراً إلى الاستقرار، وأبقى السؤال حول الانسحاب الإسرائيلي الكامل بغير إجابة.
وفي أوكرانيا، انتُقِدَ دعم ترامب للسلام العاجل على نطاقٍ واسع؛ بوَصفِه يقوّي من موقف روسيا. كما أنّ عدداً آخر من اتفاقات السلام الهزيلة التي رعاها ترامب صُنّفَت على أنها غير ناضجة.
نقطة قوّة ترامب
في الوقت الذي يُعتَقَد فيه أن عدم القدرة على التنبّؤ بتحرّكات ترامب قد يكون عبئاً، فإنّها، لدى مُحَلّلين، في الوقت نفسه نقطة قوّته. قادة العالم يخشون غضبه، ويُعَدّلون من سلوكهم لتجنّب استفزازه. قد لا تُوَفّر هذه المُقارَبة تعزيزاً لتحالف مُستَدام، لكنّ الكثيرين يعترفون بأنها قد حَقّقَت تقّدماً في ملفّات عجزت عن مثلها إدارات سابقة.
وقال المؤرّخ هال براندز "ترامب يؤمِن بأن الولايات المتحدة لم تستخدم قوّتها العالميّة بما يكفي"؛ وأضاف: "القضايا التي نجح فيها ترامب بفرض شروطه كثيرة".
تأثير سياسة ترامب الخارجيّة على سلوك قادة العالم
قال بروفيسور العلوم السياسية، خافيير كوراليس، إنّ “ترامب يُحِبّ أن يَظهَر على الساحة العالميّة في صورة المؤدِّب، سوف يُعامِلُك بسوء حتى تأتيه بعَرْضٍ يُعجِبُه."
وأدّت سياسة ترامب الخارجية الجديدة بقادة العالم إلى تعديل تصريحاتهم؛ تجنّباً لإزعاج الرئيس الأميركي. وقد رَشّحَه العديد من قادة العالم للفوز بجائزة نوبل للسلام، التي صرّح بنفسه باستحقاقه لها.
وكشفَت هذه التصريحات العلنيّة عن تغيّر مركزي هو: أن قادة العالم بدأوا يَعُدّون إدارة مشاعر ترامب أولويّة استراتيجيّة. القادة الأوروبيون يُثنون عليه عَلَناً؛ والسكرتير العام لحلف شمال الأطلسي "ناتو" وصَف ترامب بــ"الأب". وفدٌ سويسريٌ أهداه سبيكة ذهب، وقَطَر أهدَت إليه طائرة بقيمة 400 مليون دولار. كما سافَر عشرات الرؤساء من حول العالم إلى واشنطن ليُعلِنوا تثمينهم دعم ترامب لهم.
ويُعَلّل الداعمون لترامب هذا التغيّر أنه دليل إظهار ترامب للهيمَنة الأميركية، في حين يرى قادة العالم أنهم أمام رئيس إزعاجه يُهَدّد الاستقرار الجيوسياسي.
ومن الأدلّة على هذا: فَرْض ترامب الضرائب على البضاعات المُستَورَدة، وتهديده لشركائه التجاريين بهذا الإجراء. يرى ترامب الضرائب على المُستَورَدات مِطرَقة دبلوماسية، وقد استخدَمها ليُهَذّب سلوك باكستان، والهند، وكندا، وأوروبا، وبريطانيا.
كما هَدّد بالهجوم العسكري، ووقف المساعدات؛ لدفع المفاوضات العالِقة مع المكسيك، وفي الشرق الأوسط، وغيرها من البُلدان.
وتعكس هذه التحرّكات رؤية جديدة يعتنقها ترامب، مفادها أن القوّة الأميركية ليست مَبذولة للصالح العام، بل أنها ميزة تُقايَض بخدَمات تنفع الولايات المتحدة.
2026-01-29 11:34:42 | 52 قراءة