التصنيفات » مقالات سياسية

من الرّدع إلى الاحتواء.. لماذا تغيّرت مُقارَبة الإقليم لإيران؟

من الرّدع إلى الاحتواء.. لماذا تغيّرت مُقارَبة الإقليم لإيران؟

أكرم بزّي
موقع 180 بوست
16/01/2026

 ليست لَحَظات التوتّر القصوى تلك التي تُعلَن فيها الحروب، بل تلك التي يُعادُ فيها تعريف معنى الاستقرار نفسه. ففي الشرق الأوسط، لا يُقاسُ الخطَر فقط بعدد القطع العسكرية أو مستوى التهديدات العَلَنِيّة، بل بمدى استعداد الإقليم لتَحَمّل انهيار دولة مركزيّة (دولة - مُرتَكَز كما كان يُسَمّيها الكاتب العربي الراحل محمد حسنين هيكل) بحجم إيران. هنا، يُصبِح السؤال أبعَد من واشنطن وطهران، وأعمق من مُعادَلة الردع، ليَطال البنية الهشّة التي يقوم عليها توازن المنطقة برمّتها. 
تقِف منطقة الشرق الأوسط في منتصف كانون الثاني/يناير 2026 على حافّة تحوّل تاريخي قد يُعيد تشكيل خارطتها السياسية والأمنية لعقود قادمة. فبينما تتصاعد وتيرة الحشد العسكري الأميركي في مياه الخليج، وتتوالى التهديدات المباشرة من البيت الأبيض باستهداف العمق الإيراني، تبرز حالة من القلَق العميق لدى القوى الإقليمية الكبرى، وتحديدًا دول الخليج العربي وتركيا؛ إذ إن هذا المشهَد المُعَقّد لا يُمكِن اختزاله في رغبة واشنطن في تغيير النظام أو إصرار طهران على المواجهة، بل هو صراع إرادات حول مفهوم الاستقرار وكلفة الفوضى التي قد تنجم عن أيّ ضربة عسكرية غير محسوبة النتائج، وبخاصّة في ظلّ تقاطع المصالح الاقتصاديّة والأمنيّة والجيوسياسيّة التي جعَلت من بقاء النظام المركزي في طهران، برغم كلّ الخلافات معه، خيارًا اضطراريًا لمنع انفجار المنطقة. 
لقد بدأت شرارة هذه الأزمة مع اندلاع احتجاجات شعبية عارمة في إيران أواخر كانون الأوّل/ديسمبر 2025، واتّسمت بزَخَمٍ غير مسبوق وتنوّع في الفئات المُشارِكَة، من تُجّار البازار إلى جيل الشباب؛ وهو ما اعتَبَرَته إدارة الرئيس دونالد ترامب فرصة تاريخية لمُمارَسَة الضغط الأقصى بنسخة عسكرية هذه المرّة. وقد رصَدت التقارير الميدانيّة وصول حاملة الطائرات أبراهام لينكولن إلى المنطقة، وتَمَركُز مُقاتِلات F-35  في القواعد الأميركية القريبة، وإخلاءات شملت العديد من القواعد الأميركية في المنطقة. هذه التحرّكات وضعَت العالم أمام سيناريو الضربة الوشيكة؛ لكنها في المقابل استنفَرت العواصم الإقليميّة التي ترى في أيّ انهيار للنظام الإيراني تهديدًا وجوديًا لأمنها القومي. وبالنسبة للدول الخليجية العربية، فإنّ الموقف قد تجاوز مرحلة الخصومة التقليديّة، إذ تكمُن المصلحة العليا اليوم في الحفاظ على الستاتيكو الحالي؛ فالسقوط المُفاجئ للنظام في إيران سيَخلق ثقوبًا سوداء أمنيّة في جغرافيا وعِرة وشاسعة، ممّا يُحَوّلها إلى مَرتع للمنظّمات المتطرّفة وعصابات التهريب، وهو ما يُهَدّد مُباشَرَة “رؤية السعودية 2030” ونظيراتها الخليجيّة، التي تعتمد كلّيًا على استقرار بيئة الاستثمار وسلاسل التوريد. كما أنّ التخوّف من تحوّل إيران إلى قاعدة نفوذ مُطلَقَة لإسرائيل أو قوى خارجية أخرى يَزيد من هواجس التطويق الجيوسياسي (إسرائيل، إيران، وتركيا). 
لذا، فإنّ المملكة العربية السعودية، ومعها باقي دول مجلس التعاون، صاروا أكثر تَمَسّكًا بالاتفاق السعودي - الايراني المعروف باسم «اتفاق بكين»، ويُحاولون لعب دور الوسيط والضامن لمنع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة قد تُحرِق الجميع. 
وفي هذا السياق، يبرز الموقف التركي كلاعب محوري لا يقلّ قلَقًا عن دول الخليج، إذ تُراقِب أنقرة التطوّرات على حدودها الشرقيّة بعَيْنِ الحذَر الشديد. فتركيا، التي تشترك مع إيران في حدود جبليّة طويلة تمتد لـ560 كيلومترًا، وتخشى أن تؤدّي الضربة الأميركية إلى موجات نزوح بشريّة هائلة لا تستطيع بُنيتها التحتيّة المُنهَكَة تحمّلها؛ وقد بدأت بالفعل بوادر نزوح عبر مَعبَر كابي كوي الحدودي، ممّا دفع الجيش التركي إلى تعزيز جدرانه الخرسانيّة وأبراجه الكهروضوئيّة. وإلى جانب الهاجس الإنساني، يبرز القلَق الأمني التركي من أن تؤدّي الفوضى في إيران إلى انتعاش الجماعات المسلّحة الكردية التي قد تستغلّ غياب السلطة المركزيّة في طهران لتعزيز نفوذها على طول الحدود المشتركة؛ وهو ما تعتبره أنقرة خطًا أحمر لا يمكن التهاون معه. 
اقتصاديًا، تُمَثّل إيران لتركيا شريكًا تجاريًا هامًا وممرًا حيويًا نحو أسواق وسط آسيا. وأيّ ضربة عسكرية ستعني توقّف إمدادات الغاز والتبادل التجاري، ممّا سيُعَمّق جراح الاقتصاد التركي. لذا، فإنّ وزير الخارجية التركي هاكان فيدان كثّف اتصالاته مع نَظيريْه الإيراني والأميركي للتأكيد على أن أنقرة لن تتهاون مع أيّ عمل عسكري يُزَعزِع استقرار المنطقة. إنّ التوافق الخليجي–التركي الضمني على ضرورة الاحتواء الدبلوماسي يُمَثّل جبهة إقليميّة غير مُعلَنَة تُحاوِل إقناع واشنطن بأن كلفة إسقاط النظام عسكريًا ستكون أثقل بكثير من كلفة التعايش معه وضبط سلوكه عبر القنَوات السياسية والاقتصادية. 
سيَظلّ المشهد في مطلع العام 2026 مُعَلّقًا بين رغبة واشنطن في حسم الملفّ الإيراني عسكريًا، وبين واقعيّة إقليميّة ترفض الانتحار الاستراتيجي؛ فدول الخليج وتركيا، وبرغم كلّ التحفّظات على السياسات الإيرانية، تجِد نفسها اليوم في خندق الدفاع عن كيان الدولة في إيران لمنع الكارثة الكبرى. وستكون الأيام المقبلة كفيلة باختبار مدى قدرة الدبلوماسيّة الإقليميّة، المَدعومَة بالوساطة الصينيّة، على كبح جماح التصعيد الأميركي وإقناع البيت الأبيض بأنّ الطريق إلى طهران يجب أن يمرّ عبر التفاهمات، وليس عبر فوهة المَدافِع، حفاظًا على ما تبقّى من استقرار في هذا الإقليم المُضطّرِب. 

 

2026-01-29 11:32:53 | 33 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية