التصنيفات » مقالات سياسية

نتنياهو والرّقص في حقل الألغام

نتنياهو والرّقص في حقل الألغام

بقلم: أ. د. محسن محمّد صالح، مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

موقع عربي 21
9/1/2026

يوصَف نتنياهو بأنه يملك قدرة استثنائيّة على البقاء في صدارة المشهَد السياسي الإسرائيلي (survivalist) . وهذا يتطلّب قَدَراً عالياً من البراجماتية، والقُدرة على التموضع وإعادة التموضع بما يضمن بقاءه، حتى لو تطلّب ذلك التحالف مع خصوم سابقين، أو قوى مُتناقضة معه أيديولوجياً، والقيام بتعطيل أو تأجيل مسارات أو استحقاقات، ومواجهة ضغوط شعبيّة إذا ما حصل تهديد لموقعه؛ مع القُدرة على إدارة الأزَمات، والمُناوَرة، وتوظيف الانقسامات السياسيّة والمجتمعيّة، ليس بالضرورة لمُعالجَتها، وإنّما كأدَوات في لعبة البقاء والقيادة؛ وكذلك الاستعانة بـ"بهارات ومُقَبِّلات" من التضليل والكذب والفساد السياسي والمالي. ولعلّ هذا جعَله يتصدّر المشهَد السياسي الإسرائيلي منذ 2009 وحتى الآن؛ كما سبَق له تولّي رئاسة الوزراء في الفترة 1996-1999؛ ليكون صاحب أطول فترة حُكم في الكيان الإسرائيلي منذ تأسيسه سنة 1948؛ مُتَفَوّقاً حتى على الزعيم المؤسّس بن غوريون.

غير أنّ نتنياهو يُواجِه حقل ألغام سنة 2026 تصعُب النجاة منه، مهما كانت "الرّقَصات" التي يُجيدُها!! فهل يَشهد هذا العام سقوطه السياسي؟! أم سيتمكّن ولو بشقّ الأنفس من البقاء؛ ومُتابعة "الرّقص"، أو "الفهلوة" و"اللعبنة" بالمُصطَلَح الشعبي؟

التعامل مع ملفّ غزة:

تَظهَر أولى "الألغام" في التعامل مع ملفّ غزة. فالأهداف الخمسة التي أعلنَها في حربه على غزة على مدى سنتين لم يتحقّق أيٌّ منها، وخصوصاً سحق المقاومة؛ وهو يجِد نفسه الآن، مدفوعاً بالصهيونية الدينية واليمين المتطرّف، غير راغب في إنفاذ المرحلة الثانية من خطّة ترامب، ولا بالانسحاب من الخطّ الأصفر في قطاع غزة، ما لم يتم نزع سلاح المقاومة. غير أنه يُدرِك أنه لن تقوم دولة في العالم بإرسال جنودها للقيام فيما فشل فيه على مدى سنتين مدعوماً بأقوى قوّة في العالم (الولايات المتحدة). كما يُدرِك أن إصراره على فرْض إملاءاته سيُبقيه في مُستنقع غزة، مع تعطّل وإفشال خطّة ترامب، وعدم قدرة ترامب على المضيّ قُدُماً في مسارات التسوية و"الاتفاقات الإبراهيميّة"، وبقاء الصورة "المتوحّشة" للاحتلال الإسرائيلي حاضِرة في الأذهان.

وبالتالي، فعلى نتنياهو "اللعب" بطريقة لا تُخسِرُهُ قاعدته المتطرّفة، ولا تجعله في مواجهة ترامب. ولذلك قد يقوم بانسحابات تكتيكيّة وتخفيف الحصار، مع الإبقاء على أدَوات الضغط والابتزاز بيَده لاستخدامها متى احتاج إليها.

انتخابات الكنيست:

الاستحقاق الثاني متعلّق بانتخابات الكنيست المُتَوَقّعَة هذه السنة، إذ تُشير استطلاعات الرأي الإسرائيلية على مدى العامَيْن الماضيين إلى فَوْز تحالف المعارضة على التحالف الذي يتزعّمه نتنياهو؛ وتَوَقّع أحدَثُها تحقيق المعارضة لـ58 مقعداً مقابل 52 مقعداً للتحالف الذي يتزعّمه نتنياهو و10 مقاعد للأحزاب العربية. وهناك غالبيّة إسرائيلية (52 في المئة) لا ترغب بترشّح نتنياهو في الانتخابات القادمة. كما أن استطلاع معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (التي نُشِرَت في 25 كانون الأوّل/ ديسمبر 2025) تُشير إلى أن 68 في المئة من الجمهور الإسرائيلي يُعرِبون عن ثقة ضئيلة بنتنياهو، بينهم 49 في المئة يُعرِبون عن انعدام كامل الثقة؛ بينما أعرَب 76 في المئة عن ثقة مُنخفضة بحكومته.

ويعيش نتنياهو هاجس أو "رعب" السقوط الذي قد يُنهي حياته السياسية، أو يودي به إلى السجن، إذا ما استمرّت مُحاكَمَته وتمّت إدانته.

ويجِد نتنياهو نفسه أمام خيارات صعبة، وفُرص ضئيلة للاستمرار في صدارة المشهد السياسي، إذ إن استمرار تحالفه مع الصهيونية الدينية يجعل حظوظه الانتخابية ضعيفة جداً، خصوصاً أن حزب سموتريتش قد لا يتجاوز الحدّ الأدنى للدخول في الكنيست. كما يَصعُب في الوقت نفسه إيجاد شريك سياسي آخر، في ضوء أن مُعظم خصومه في المعارضة يرغبون في إسقاطه شخصياً. وبالرّغم من أنّ الساحة الحزبيّة الإسرائيلية تتّسم بأنها أقرب إلى "السوق" وإلى ميدان للصفقات، إلّا أنّ ثمّة صعوبة مُتزايدة لدى نتنياهو هذه المرّة في إيجاد شُرَكاء وبدائل مُحتَملة.

هويّة "الدولة" والاستحقاقات القضائيّة:

عنصر التفجير الثالث مُرتبط بحسم هويّة "الدولة" والاستحقاقات القضائية والتشريعية المُرتَبطة بها، والصراع الديني - العلماني في المجتمع الصهيوني. وهو صراع أخَذ أبعاداً حادّة قبل طوفان الأقصى، وعاد الآن ليَطُلّ برأسه من جديد. ويجِد نتنياهو مصلحته الحاليّة في الاستفادة من تحالفه مع الصهيونية الدينية للمُضي في عدد من التغييرات التي تُعطي للسلطات التشريعية والتنفيذية صلاحيّات أكبر على حساب السلطات القضائية؛ وهو ما قد يُتيح له فُرصة للهروب من المُحاكمَة ودخول السجن، وبالتالي الذهاب إلى الانتخابات في وضع أفضل.

العفو الرئاسي:

ويرتبط بالعنصر السابق الحالة القلِقة لنتنياهو في سعيه للحصول على "عفو رئاسي"، وهو أمرٌ ما زال بعيد المنال، بالرّغم من تدخّل ترامب لدى رئيس الكيان الإسرائيلي لإصدار عفوٍ عنه. إذ يُشير تقرير لصحيفة هآرتس (7 كانون الثاني/ يناير 2026) عن تَوَتّر في العلاقة بين نتنياهو وبين المستشارة القضائية للحكومة الإسرائيلية؛ التي ترى أن طلَب نتنياهو العفو من "رئيس الدولة" لا يتوافق مع الضوابط القانونية لطلَب العفو، وأنه من المُتَوَقّع أن تُنقَل وجهة نظَرها إلى وزارة القضاء الإسرائيلي، التي من المُتَوَقّع أن توصي رئيس الكيان بعدم منح العفو لنتنياهو.

وثمّة فكرة لا تبدو مُستَساغة لنتنياهو، لكنه قد يضطرّ للتعامل معها إذا ضُيِّق الخناق عليه؛ وهي عقد صفقة يُنهي بموجبها حياته السياسية، مقابل إسقاط التّهم عنه؛ غير أنه سيَسعى أوّلاً، وإلى أقصى مدىً ممكن، لاستمرار حياته السياسية مع إسقاط التّهم عنه.

بين الرّدع والهيمَنة وبين التسوية والتطبيع:

من ناحية خامسة، يَتنازع نتنياهو مَلَفّان مُهِمّان مُتضاربان بشكل أو بآخر؛ الأوّل، الرّغبة الإسرائيلية الطاغية في استعادة صورة الرّدع القويّة، والمضي قُدُماً في سياسة العصا الغليظة واستخدام الأدَوات الخشنة لتحقيق "الأمن"، ومُواصَلَة برامج الضمّ والتهويد والتدمير والتهجير في الداخل الفلسطيني، مع مُتابعة سياسة إقليمية عدوانية، خصوصاً مع لبنان وسوريا واليمن وإيران، ومُحاوَلة فَرْض هيمَنة إقليميّة قائمة على الإملاءات والمَعايير الأمنيّة الإسرائيليّة، بما يعكس عقليّة فوقيّة توسعيّة.

أما الملفّ الثاني، فهو حاجة الكيان الإسرائيلي الماسّة لـ"تبييض" صورته الخارجية، وإعادة تأهيل نفسه بشكل مقبول عربياً ودولياً، بعد أن تحوّل إلى كيان بغيض منبوذ في البيئة العالميّة. وهو ما يعني ضرورة تقديم تنازلات وإبداء مُرونة أوسع، في التعامل مع ملفّات اليوم التالي في غزة، وصلاحيّات السلطة الفلسطينية، والقدس والضفة الغربية، وتخفيض سلوكه العدوانيّ في البيئة الإقليميّة.

وبينما تضغط الصهيونية الدينية والكثير من عناصر الليكود باتجاه مُتابعة الزّخم في الملفّ الأوّل؛ فإنّ عدداً من قوى المعارضة الإسرائيلية، والراعي الأمريكي والشركاء الأوروبيين، يُقَدّمون أولويّات "تبييض" الصورة والتهدئة والمُرونة للسّيْر قُدُماً باتجاه التطبيع و"الاتفاقات الإبراهيميّة"، وإنفاذ المرحلة الثانية من خطّة ترامب.

وبالرّغم من الواقع "المُزري" للبيئة العربية، وبالرّغم من أنّ ترامب وفريقه يتبنّى سياسات استعماريّة شعبويّة لا تعبَأ بالقوانين الدوليّة ولا بالقِيَم الإنسانيّة، بالإضافة إلى خلفيّاتها الإنجيليّة الصهيونيّة؛ فإنّ افتراض القدرة على إخضاع المنطقة وإذلالها، وإغلاق الملفّ الفلسطيني، قد يحمل خطأ جوهرياً في سوء التقدير؛ لأنّ المنطقة ما زالت تعيش منذ الربيع العربي حالة عدم استقرار، واحتمالات تَفَجُّر موجات تغيير قويّة، في بيئات شعبيّة ذات أغلبيّة ساحقة تُعادي المشروع الصهيوني، وتقِف إلى جانب الحقّ الفلسطيني. وهي بيئات لا تزيدها عمليات الضغط إلّا شعوراً بالسخط والغضب والرّغبة في مواجهة التحدّيات، ممّا قد يؤدّي إلى نتائج عكسيّة يدفع ثمنها أساساً الاحتلال الإسرائيلي.

وهكذا، قد يُجيدُ نتنياهو تكتيكات إدارة الأزَمات، لكن احتمالات انفجار أيٍ من "الألغام" السابقة في وجهه تبقى قائمة، ممّا قد يُفشِل حسابات "البقاء". وتبقى أيديه المُلَطّخة بدماء الأبرياء، وعقليّته العنصريّة الإلغائيّة التوسعيّة، شاهداً لا يُمحى على أحد أبشع المراحل التي عاشها الاحتلال الإسرائيلي تحت قيادته.

2026-01-28 11:33:31 | 26 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية