التصنيفات » مقالات سياسية

اختبار المُقايَضَة: حسابات روسيا والصين بشأن الهجوم الأمريكي على فنزويلّا

اختبار المُقايَضَة:
حسابات روسيا والصين بشأن الهجوم الأمريكي على فنزويلّا

إسلام المنسي
باحث دكتوراه متخصّص في الشؤون الدولية
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدّمة
13/1/2026

شَكّلَ الهجوم الأمريكي على فنزويلّا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو في الثالث من يناير 2026، تطوّراً نوعياً في السياسة الدولية؛ إذ عكَست الواقعة انتقال واشنطن من سياسة الضغط المتدرّج إلى الهجوم العسكري المُباشر، في ظلّ سياق دولي يتّسم بتصاعد حدّة الاستقطاب بين القوى الكبرى وتراجع فاعليّة الضوابط التقليديّة التي حكَمت سلوكها خلال العقود الماضية.
وتكتسب مواقف الصين وروسيا أهميّة خاصّة، ليس فقط بسبب العلاقات الوثيقة مع النظام الفنزويلّي، ولكن أيضاً لأن الهجوم الأمريكي يمسّ بشكلٍ مُباشر مصالحهما ونفوذهما في أمريكا اللاتينية، ويُثير تساؤلات عديدة عن كيفيّة استجابة الدولتين لهذه الأزمة وانعكاسات ذلك على موازين القوى الدولية.

مبدأ "دونرو": 
اعتبَر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أنّ الهجوم على فنزويلّا جاء إحياءً لمبدأ "مونرو" Monroe، وهو إعلان أصدَره الرئيس الأمريكي الخامس، جيمس مونرو، في عام 1823، مفاده أن أمريكا اللاتينيّة مُغلَقَة أمام القوى الأجنبيّة، وكان المقصود حينذاك أوروبا؛ إذ عقَد ترامب مؤتمراً صحفياً عقب الهجوم قال فيه: "إنّ مبدأ مونرو أمرٌ مهم، لكنّنا تجاوزناه كثيراً كثيراً جداً؛ إنهم يُسَمّونه الآن "وثيقة دونرو" Donroe. لن يتمّ التشكيك في الهيمَنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي مرّة أخرى".
قبل أسابيع قليلة، قدّم صُنّاع السياسات في البيت الأبيض شَرحاً لهذه الفكرة في استراتيجيّة الأمن القومي، التي تضمّنت نسخة ترامب المُحَدّثة من مبدأ "مونرو" التي تُتيح تدخّل الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية لتحقيق أهداف، مثل الاستيلاء على الأصول الاستراتيجيّة، ومُكافَحَة الجريمة والهجرة، والتركيز على الشؤون الداخلية؛ وتتحدّث عن روسيا والصين بلغة أقل حِدّة ممّا ذُكِرَ في الاستراتيجيّتين السابقتين. وهذا ما دفع البعض إلى استنتاج أنّ ترامب يُقرّ بأن موسكو وبكين تتمتّعان بمجالات نفوذ خاصّة؛ لا سيّما وأنه أشاد بالصين وقلّل من شأن مخاطر غزو تايوان. وفيما يتعلّق بروسيا، اعتبَر أن أوكرانيا محكومٌ عليها بالهزيمة، وضغَط عليها لقبول تنازلات كبيرة لصالح الروس.
ولا يُعَدّ اعتقال مادورو مجرّد رسالة إلى الأنظمة السياسية في نصف الكرة الأرضيّة الغربي؛ بل هو مُحاوَلة لإعادة ترسيخ عالميّة الرّدع؛ فاليوم تملك واشنطن فرصة للبناء على نجاح عمليّتها ضدّ مادورو، وترسيخ نفوذها في نصف الكرة الأرضيّة الغربي؛ بهدف استبعاد الصين وروسيا، وترجَمة الأولويّات الأمنيّة إلى واقع استراتيجيّ ملموس. وأعلن وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، صراحةً أنّ بلاده لن تسمح بتحوّل أيّ دولة في نصف الكرة الغربي إلى مركز لأنشطة خصوم الولايات المتحدة، ولن تقبل بأن تظلّ أكبر احتياطيّات نفطيّة في العالم تحت سيطرة الصين أو روسيا أو إيران أو أطراف مُعادِية أخرى. وقد تجلّى ذلك في إعلان واشنطن، يوم 7 يناير الجاري، سيطرة القوّات الأمريكية على ناقلة النفط "مارينيرا" التي ترفع العلَم الروسي، والمُرتَبِطَة بفنزويلّا، في شمال المحيط الأطلسي، وذلك بعد مُطارَدَة استمرّت لأسابيع.
وقد عَيّنَ ترامب، مؤخّراً، مبعوثاً قال إنه سيعمل على الاستيلاء على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك وتتمتّع بالحُكم الذاتي، وهدّد بالاستيلاء على كندا، واستعادة قناة بنَما. وبالرغم من أخذ هذه التهديدات بعين الاعتبار؛ فإنها اكتَسبَت مزيداً من الجديّة بعد هجوم فنزويلّا؛ إذ يبدو ترامب مُنطَلِقاً لتنفيذ مخطّطاته دون أن يتصدّى أحدٌ لإيقافه.
حسابات روسيا:
تُمَثّل فنزويلّا إحدى ركائز الحضور السياسي والعسكري لروسيا خارج المجال الأوراسي، حيث عملت موسكو على ترسيخ نفوذها عبر صفقات التسليح والاستثمارات في قطاع الطاقة. وقد جاءت الاستجابة الروسية للتحرّك الأمريكي ضدّ فنزويلّا على أكثر من صعيد، كما يلي:
1- توظيف الأزمة في الصراع الروسي - الغربي الأوسع: جاء الموقف الروسي من الضربة الأمريكية واعتقال مادورو، حاداً على المستوى الخطابي، حيث وصفَت موسكو التحرّك الأمريكي بأنه "انتهاك صارخ لسيادة دولة مستقلّة وتجاوز لمبادئ القانون الدولي"؛ وأدان الكرملين ما وصفَه بـ"العدوان المسلّح". وركّزت العديد من التصريحات الروسية على استعمال نفس لغة الخطاب الذي استعمَلته واشنطن وحُلفاؤها الغربيّون ضدّ الروس على خلفيّة الحرب في أوكرانيا؛ فقد أضعَفت العملية العسكرية الأمريكية الحجج الأخلاقية الغربية ضدّ حرب الرئيس فلاديمير بوتين في أوكرانيا، وأتاحت الفرصة للرّوس لتصوير واشنطن كتهديد للأمن الدولي.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، أيّدت موسكو عقد جلسة لمجلس الأمن الدولي لبحث أزمة فنزويلّا، وأدانت الهجوم الأمريكي، وتصدّت لمحاولات شرعنة هذه العملية؛ فضلاً عن السعي إلى توسيع دائرة الرفض الدولي عبر التنسيق مع قوى تُشارِكها القلَق من السلوك الأمريكي.
وقد استغلّ الرّوس الحادثة لدعم موقفهم في أوكرانيا؛ إذ اعتَبَر نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، والرئيس الروسي السابق، دميتري ميدفيديف، أنّ قرار ترامب، وبالرغم من أنه مُخالِف للقانون؛ فإنه "لا يمكن إنكار وجود قدَر ‌من الاتّساق في أفعاله؛ فهو وفريقه يُدافِعون بشدّة عن المصالح الوطنية لبلادهم"، موضِحاً أن أمريكا اللاتينيّة بمثابة "‌الفناء الخلفي" للولايات المتحدة. وقارَن بين مُبَرّر واشنطن لاعتقال مادورو بذريعة عدم اعترافها بشرعيّة حُكمِه، وبين الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، الذي انتهت ولايته منذ زمن طويل. 
واعتَبَر عدد من السياسيين الأمريكيين، مثل السيناتور الديمقراطي، آدم شيف، والنائبة الجمهورية، مارجوري تايلور غرين، أن عمليّة فنزويلّا تقوّي الموقف الروسي والصيني، وحذّروا من أنّ العملية قد تستخدمها موسكو للتصعيد في أوروبا عملاً بمنطق القوّة دون الالتفات للقانون الدولي.
2- قيود التصعيد العسكري الروسي في ظلّ حرب أوكرانيا: بالرغم من التصعيد السياسي الروسي؛ يظلّ موقف موسكو مَحكوماً باعتبارات عمليّة، في مقدّمتها انشغالها بأولويّات استراتيجيّة أكثر إلحاحاً، خاصّةً في أوكرانيا؛ لذلك لم يتم تفعيل تعهّد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بدعم نظام مادورو، في أواخر ديسمبر 2025؛ حيث إن تقديم أيّ مساعدة حقيقيّة لدولة بعيدة في واقع جيوسياسي مختلف تماماً، أمرٌ غير مُمكِن لأسباب فنيّة ولوجستيّة.
وقد دخلت اتفاقيّة الشراكة الاستراتيجيّة بين روسيا وفنزويلا حيّز التنفيذ في أكتوبر الماضي، وقدّمت موسكو بالفعل أنظمة دفاع جوّي وصواريخ وأسلحة متطوّرة للجيش الفنزويلّي، سوف يكون بإمكان الخُبراء العسكريين الأمريكيين الوصول إليها إذا سيطَرت على كاراكاس حكومة مُوالِيَة لواشنطن. لكن لا شك أن قضية أوكرانيا تمثّل أولويّة لموسكو؛ لذا فالحفاظ على علاقة جيّدة مع ترامب في هذا الشأن أهم بكثير من مصير فنزويلّا.
3- المخاوف الاقتصادية الروسية: ربما يكون الأمر الأكثر إثارة للقلَق بالنسبة للكرملين في هذه الأزمة، هو أنه في حال سيطَرت الولايات المتحدة على احتياطيّات النفط الفنزويلّية، فإنّ ذلك سيمنَح واشنطن مزيداً من السيطرة على الإمدادات العالميّة؛ ومن ثمّ على أسعار صادرات الطاقة التي تُمَوّل آلة الحرب الروسيّة.
وتمتلك الشركات الروسيّة حصصاً كبيرة في الاقتصاد الفنزويلّي من خلال مشاريع مشتركة في حقول النفط بمنطقة أورينوكو. كما قدّمت موسكو قروضاً بمليارات الدولارات إلى فنزويلّا؛ وهناك مخاوف روسيّة حالياً تتعلّق باحتمال خسارة هذه الأموال.
مُقارَبة الصين:
لطالما اعتبَرت الصين فنزويلّا شريكاً اقتصادياً واستثمارياً طويل الأمَد؛ وارتبط هذا الحضور بتقديم قروض ضخمة وتنفيذ مشروعات بنية تحتيّة وتأمين إمدادات الطاقة. وأصدَرت بكين، في 10 ديسمبر الماضي؛ أي بعد أيام قليلة من صدور الاستراتيجيّة الأمريكيّة المُتَضَمّنَة لمبدأ "دونرو"، ورَقة سياسات حول استراتيجيّتها تجاه أمريكا اللاتينية والكاريبي، أظهَرت فيها بكين رفضها الاعتراف بها كمنطقة نفوذ أمريكية. وشملت الورقة مجالات التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني وغيرها مع تلك الدول. ومع وقوع الهجوم الأمريكي على فنزويلّا، اتّسم موقف بكين بالحذَر؛ وجاءت الاستجابة الصينيّة على أكثر من صعيد، كالتالي: 
1- التمسّك بمبدأ عدم التدخّل: اتّسمت الاستجابة الصينيّة للأزمة بدرجة عالية من الحذَر والبراغماتيّة؛ إذ أدانت الضربة الأمريكية بلغة دبلوماسيّة محسوبة، شدّدت فيها على مبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول وضرورة حلّ النزاعات بالوسائل السلميّة. 
وكان من اللافت أن مادورو التقى وفداً صينياً قبل ساعات من الهجوم الأمريكي؛ وبالطبع لم يُقَدّم له الضيوف الزائرون أيّ حماية ممّا حدَث لاحقاً؛ فبكين تحرص على عدم دفع التنافس مع الولايات المتحدة إلى مستوى مُواجَهة يَصعُب احتواؤها، خاصّةً في ظلّ التشابك الاقتصادي العميق بين الطرَفَيْن. 
وتُلاحِظ  بكين ظهور ملامح نظام عالمي جديد يتحدّد بمجالات نفوذ إقليميّة تُهَيْمِن عليها قوى مختلفة. وطالَما أن الولايات المتحدة تنسحب تدريجياً خلف أسوار حصن إقليميّ قوي، فإنّ ذلك يدعم جهود الصين لخلق عالَم متعدّد الأقطاب؛ فالهجوم على فنزويلّا يُبَيّن أن ترامب مُهتَمٌ ببَسط نفوذه إقليمياً أكثر منه عالمياً؛ وهو توجّه مُناسِب تماماً لبكين. فإذا انخَرَطَت الولايات المتحدة في التزام طويل الأمَد في أمريكا الجنوبية، سيؤدّي ذلك إلى تحويل المَوارِد والاهتمام بعيداً عن منطقة المُحيطَيْن الهندي والهادئ.
2- أولويّة حماية المصالح الاقتصادية: تُرَكّز الصين بشكل أساسي على حماية مصالحها الاقتصادية في فنزويلّا، وتَجَنّب تحوّل الأزمة إلى سابقة يُمكِن أن تهدّد استثماراتها أو شركاءها في مناطق أخرى. ففي السنوات الأخيرة، ذهبَت نحو 80% من صادرات النفط الفنزويليّة إلى الصين؛ وصرّح ترامب بأنه سيَسمَح باستمرار هذه المبيعات. وهذا أمرٌ يهتم به الصينيّون بشدّة.
ولم يتم حسم الملفّ الاقتصادي بعد في نصف الكرة الغربي ولا حتى في فنزويلّا؛ لكنّ سيطرة الولايات المتحدة على حقول النفط الفنزويليّة تَحرم الصين من مَورِد للطاقة في حالة نشوب صراع، خاصّةً في ظلّ تهديدات ترامب المتكرّرة لإيران، حليفة بكين أيضاً وصاحبة ثالث أكبر احتياطي نفط في العالم.
ومع ذلك، قد لا يُمَثّل النفط أكبر مخاوف بكين. فبالرغم من أنها أكبر مُشْتَرٍ للنفط الخام الفنزويلّي؛ فإنّ ذلك لا يُمَثّل سوى نحو 4% من إجماليّ الواردات النفطية الصينية. فهناك مخاوف تتعلّق بكون فنزويلّا رابع أكبر مُتَلَقٍ للقروض من المُقرِضين الرسميين الصينيين؛ حيث تلقّت التزامات بقيمة 106 مليارات دولار أمريكي تقريباً بين عامي 2000 و2023؛ وفي عام 2024 قُدّرَ إجماليّ ديون فنزويلّا للصين بنحو 10 مليارات دولار.
وفي عام 2025، استضافت بكين حواراً بين الصين ودول أمريكا اللاتينية، وأعلنت أن حجم التبادل التجاري بين الصين ودول المنطقة بلغ مستوى قياسياً تجاوز 500 مليار دولار. ويُمَثّل التدخّل الأمريكي في فنزويلّا تهديداً للعلاقات الاقتصادية الصينية في كامل هذه المنطقة؛ وهو ما تسعى بكين للتعامل معه.
3- استثمار الأزمة دعائياً لتعزيز صورة الصين كقوّة تحترم القانون الدولي: ترغب الصين في إبراز التباين مع الولايات المتحدة، والتصرّف كقوّة مسؤولة تحترم القانون الدولي؛ وأيّدت عقد جلسة لمجلس الأمن الدولي وأدانت الخطوة الأمريكية، ودعت إلى الإفراج الفوري عن مادورو وزوجته، وحلّ القضية عبر الحوار والتفاوض. وقال وزير الخارجية الصيني، وانغ يي: "لم نؤمِن قط بأن أيّ دولة يُمكِنها أن تعمل كشرطيّ العالَم؛ كما أنّنا لا نقبل أن تدّعي أيّ دولة أنها قاضي العالَم".
على المدى القصير، يمنح هذا الصين مَكسَباً دعائياً بصفتها مُدافِعَة عن القانون الدولي، وسيكون من الصعب على واشنطن أن تدّعي أن بكين مُخطِئة في اشتباكاتها الإقليمية مع الفلبّين أو دول بحر الصين الجنوبي. وإذا أرادت الصين مُهاجَمَة تايوان، فبإمكانها الادّعاء بأن لديها أحقيّة "قانونيّة" أكبر للقيام بذلك ممّا لدى واشنطن في فنزويلّا؛ ومن المُرَجّح أن يكون المسؤولون في تايبيه قد نظَروا إلى الأحداث في أمريكا الجنوبية بقلَق بالغ.
اختلاف الأولويّات:
تُمَثّل العملية الأمريكية في فنزويلّا اختباراً لفعاليّة التنسيق بين روسيا والصين في الشؤون الدولية، خاصّةً فيما يتعلّق بحماية الحُلفاء المُشتَرَكين. فعلى الرّغم من وجود تنسيق مشترك بين موسكو وبكين؛ فإنّ التعامل مع هذه الأزمة كشَف عن اختلاف الأولويّات بين الطرَفَيْن، كالتالي:
1- الرفض المشترك للتدخّل الأمريكي الأحادي: تبنّت روسيا والصين نفس الخطاب، وطالَبتا الولايات المتحدة بوقف أيّ عمل عسكري إضافي ضدّ فنزويلّا؛ وأدانَ الطرَفان التصرّفات الأمريكية الأحاديّة والتعدّي على القانون الدولي وسيادة الدول. وأصدرَت بكين بياناً أعلنت فيه أنها "تَشعر بصدمة عميقة وتُدين بشدّة استخدام الولايات المتحدة الصارخ للقوّة ضدّ دولة ذات سيادة"؛ وفعلت موسكو الشيء نفسه. وأسهَمت الحادثة في تعزيز مستوى التنسيق السياسي بين البلَدين داخل المحافل الدولية في إطار رؤية مشتركة ترفض التدخّلات الأحاديّة.
2- تَبايُن الأولويّات الاستراتيجيّة: على الرّغم من التقاطع الواضح بين الموقفين الروسي والصيني في رفض الضربة الأمريكية، فإنّ هذا لا يعني وجود تنسيق كامل في إدارة الأزمة؛ فروسيا تنظر إلى الحدَث من عدَسة الحرب الأوكرانية، وتسعى إلى استثماره في هذا الإطار؛ بينما تتعامل الصين مع الأزمة باعتبارها مصدر مُخاطَرَة يتطلّب الاحتواء بأقلّ كلفة مُمكنة. كما أن هناك العديد من نقاط التباين بين مصالح الحَليفيْن؛ فزيادة إنتاج النفط الفنزويلّي التي وعَد بها ترامب تصبّ في مصلحة الصين؛ فهي أكبر ُمستَورِد للنفط في العالم وتستفيد من خفض أسعاره، على عكس روسيا التي يعتمد اقتصادها على مداخيل بيع النفط، ويُمَثّل سيناريو خفض الأسعار خسارة كبيرة لها.
3- التنسيق السياسي في المحافل الدولية مقابل غياب التحالف العملياتي: مثّلت فنزويلّا قاعدة انطلاق لروسيا والصين في أمريكا الجنوبية؛ ممّا سمح لهما بتوسيع نفوذهما الإقليمي على حساب واشنطن. وقد أظهَرت موسكو وبكين تطابقاً في المواقف في المحافل والمنظّمات الدولية، خاصّةً في مجلس الأمن الدولي؛ لكن فعلياً لم يُتَرْجَم هذا التعاضد إلى تحالف عمليّاتي على الأرض مثلما يفعل الأمريكيون مع حُلفائهم؛ بل تُرِكَت فنزويلّا لمصيرها. وهذا أعطى مثالاً جديداً، بعد الهجوم على إيران في يونيو 2025، على محدوديّة التضامن بين روسيا والصين من جهة وحُلفائهما من جهة أخرى؛ فقد اكتفَت القوّتان الكبيرتان بالتنديد بانتهاك السيادة الفنزويليّة دون أيّ تحرّك عملي مُنَسّق.
سيناريوهات قادمة:
في ضوء المُعطَيات السابقة، يُمكِن افتراض عدد من السيناريوهات المُحتمَلة فيما يخصّ تعامل روسيا والصين مع الهجوم الأمريكي على فنزويلّا واعتقال مادورو، كما يلي:
1- سيناريو تحويل الأزمة إلى ورَقة تفاوض استراتيجيّة: قد تسعى موسكو وبكين للتعامل مع الأمر الواقع وتوظيف الحدَث ضمن مُقايَضات أوسع مع واشنطن؛ فبغضّ النظَر عمّا سيَحدث في فنزويلّا، يُمكِن للدولتيْن تحسين شروط التفاوض في ساحات أكثر أولويّة لهما، مثل أوكرانيا بالنسبة لروسيا؛ وبالنسبة للصين هناك مسألة تايوان وقضايا التجارة والتكنولوجيا؛ وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً.
وهذا السيناريو له سوابق جديرة بالتأمّل. فقد كشفَت فيونا هيل، مسؤولة الشؤون الروسية والأوروبية في مجلس الأمن القومي الأمريكي خلال إدارة ترامب الأولى، أنّ موسكو عرضَت على الولايات المتحدة السيطرة على فنزويلّا مقابل حريّة التصرّف في أوكرانيا عام 2019. 
2- سيناريو الاحتواء الدبلوماسي: من المُحتَمل اكتفاء روسيا والصين بالإدانة السياسية والتحرّك القانوني الدولي والاستثمار الدعائي لأزمة فنزويلّا؛ لتعزيز خطاب التعدديّة القطبيّة دون تصعيد عملي، على اعتبار أن الأزمة تخلق بذاتها ظروفاً أفضل في ملفّات أخرى. فالاندفاعة الأمريكية وتصرّفاتها غير القابلة للتنبّؤ، قد تأتي بنتائج عكسيّة على النفوذ الأمريكي، وتصبّ  تلقائياً في صالح روسيا والصين؛ فمن دون عقد صفقات محدّدة مع واشنطن، يُمكِن لخصومها التمدّد في مناطق نفوذهم الإقليميّة استغلالاً لأولويّاتها في غرب العالم.
ومن المُثير حقاً أن تؤدّي الاندفاعة الأمريكية في الأمريكتين إلى انهيار حلف شمال الأطلسي "الناتو" وتداعي النظام الأمني القائم منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية؛ وهو السيناريو الذي توقّعته رئيسة وزراء الدنمارك، مته فريدريكسن، حال اختارت الولايات المتحدة ضمّ غرينلاند بالقوّة.
3- سيناريو التصعيد: إذا استَنتَج القادة الصينيّون والرّوس أنّ اعتقال مادورو هو جزء من تنفيذ استراتيجيّة تنسحب فيها الولايات المتحدة من دور عالمي سعياً وراء الهيمَنة الإقليميّة، فقد يَشعُرون بالجرأة بدَلاً من الردع، مع ما يترتّب على ذلك من عواقب كارثيّة مُحتَمَلَة على الاستقرار الدولي. وقد يرفض الأمريكيون هذا التفسير؛ بحجّة أنّ واشنطن لا يُمكِنها إعادة تأكيد هيمَنتها العالميّة إلّا من خلال إعادة ترسيخ مَكانتها المُهَيمِنَة في نصف الكرة الأرضيّة الخاصّ بها.
ساحة اختبار:
في المُجمَل، تعكس الضربة الأمريكية لفنزويلّا واعتقال مادورو وزوجته، مرحلة أكثر صراحة في توظيف القوّة لإعادة تشكيل البيئات الإقليميّة؛ كما تكشف في الوقت ذاته عن حدود قدرة الصين وروسيا على حماية نفوذهما خارج نطاقهما الإقليمي، في تَناغُم مع مبدأ "دونرو" الأمريكي الذي استهدف بالأساس إزاحة النفوذ الصيني والروسي من نصف الكرة الغربي، بما قد يعنيه ذلك من تقليل الاهتمام بنصف الكرة الشرقي، حيث تسعى الصين وروسيا إلى توسيع نفوذهما هناك. 
وفي المحصّلة، تبدو فنزويلّا أقرب إلى ساحة اختبار لتحوّلات النسق الدولي، منها إلى ساحة مُواجَهَة مُباشرة بين القوى الكبرى؛ ومن ثمّ استمرار التنافس ضمن هوامش محسوبة، بالرّغم من تصاعد حِدّتِه.

2026-01-27 10:49:12 | 32 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية