من القانون إلى الفوضى: كيف يفتك ترامب بالنظام الدولي؟
موقع الخنادق
14/1/2026
يرى المَقال أدناه، من إصدار مجلة فورين أفيرز، وترجمة موقع الخنادق، أنّ دونالد ترامب، منذ بداية رئاسته، لم يَكتَفِ بإطلاق تهديدات صادمة ضدّ ركائز النظام الدولي، بل جعَل مجرّد التلويح بالاستيلاء على أراضٍ أو فَرْضِ الإكراه واقعًا سياسيًا يَهُزّ فكرة "القواعد" نفسها. ويعتبر الكاتب أنّ أخطَر نقطة تحوّل كانت العمليّة العسكريّة الأمريكيّة في فنزويلّا يوم 3 يناير واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، لأنّها نُفّذَت دون تفويض من مجلس الأمن، ودون إذنٍ من الكونغرس، ودون ادّعاء بالدفاع عن النفس، ما يجعلها نموذجًا لهجوم مُباشر على مبدأ حَظْر استخدام القوّة الذي قام عليه نظام ما بعد الحرب العالميّة الثانية.
يَستَعرِض النصّ جذور النظام الدولي، موضِحًا أنّ الحرب كانت قديمًا "قانونيّة" لكنّها مُقَيّدة بمفهوم السبب المُبَرّر، حيث كان على الدول إعلان مُبَرّراتها وفق تقاليد القانون الدولي العُرفي منذ غروتيوس ووستفاليا، لأنّ العنف بلا سبب كان يُعَدّ جريمة لا حربًا. ثم يشرَح كيف تطوّرت القواعد بعد 1945 لتصبح الحرب مُحَرّمة إلّا في حالتين: الدفاع عن النفس أو تفويض مجلس الأمن، وأنّ الاحتلال بالقوّة لم يَعُد يُوَلّد شرعيّة، بل يُلزِم العالَم بعدم الاعتراف بنتائجه.
وفي قلب المقال، تأتي فكرة أنّ إدارة ترامب لا تُحاوِل التحايل على القواعد كما فعلت دول كثيرة سابقًا عبر ذرائع قانونيّة، بل تتّجه لتفكيك القواعد من أساسها: عبر مُهاجَمة المؤسّسات القضائية الدولية، وإضعاف منظومة التجارة والاتفاقيّات، والانسحاب من التعهّدات، وتهديد دول وأقاليم ذات سيادة بمَنطِق الإكراه الأحادي. ويُحَذّر النصّ من أنّ العالَم قد يقترب من مرحلة "لا قواعد" أو قواعد مُتَذبذِبَة تُستَخدَم حين تَخدُم المصلحة وتُهمَل حين تُعيقُها، ما يرفَع منسوب الفوضى وسوء الحسابات ويجعَل الصراع أكثر احتمالًا.
ويُبرِز الكاتب دلالة التصريحات التي تُعلِن صراحة أنّ "العالَم تحكُمه القوّة"، مُعتَبِرًا أنّ الإدارة لم تُقَدّم تبريرًا قانونيًا حقيقيًا لتدخّلها، بل تعامَلت مع القوّة كأنها تُنتِج حقًا بذاتها، وصولًا إلى منطق خطير مفاده أنّ القَيْد الوحيد هو "الأخلاق الشخصيّة" للحاكِم. وينتهي المقال إلى خُلاصة مُتشائمة: إنّ استمرار هذا النهج لا يُهَدّد نظام القانون الدولي فقط، بل يفتح الباب أمام عالَمٍ همَجيٍ يُصبح فيه العنف مُنفَصِلًا عن أيّ ادّعاء بالشرعيّة، وتتحكّم فيه إرادة الأقوى لا سلطة القواعد.
النصّ المُتَرجَم للمَقال
منذ بداية رئاسته، هَدّدَ دونالد ترامب بزعزعة استقرار النظام القانوني الدولي. ففي مطلع ولايته الثانية، زَعَمَ أنه سيَستَعيد قناة بنما، ويجعل كندا الولاية الأمريكية الحادية والخمسين، ويَستَحوذ على غرينلاند، ويُسَيطِر على غزة. هَزّ خُبراء السياسة الخارجية رؤوسهم، مُتَرَدّدين في أخْذ ترامب على محمل الجد. ففي نهاية المطاف، بدَت تصريحاته مُتَضارِبَة وغير مدروسة. ومع ذلك، فإنّ مجرّد التلفّظ بهذه الكلمات كان له أثَرُه. وكما أوضَحنا في مجلّة "فورين أفيرز" الصيف الماضي، فإنّ تهديدات ترامب تعكس افتقارًا مُقلِقًا للالتزام بالبُنيَة القانونيّة التي أنشَأتها الولايات المتحدة وحُلفاؤها قبل 80 عامًا. كان مبدأ حَظْر استخدام القوّة، المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، مُعَرّضًا للضغط. لكنّ تَجاهُل ترامب الصريح لهذا الحَظْر هَدّدَ بانهياره.
كان ذلك قبل أن تغزو الولايات المتحدة فنزويلا وتختطف رئيسها، نيكولاس مادورو، في الثالث من يناير/كانون الثاني. تُمَثّل هذه العمليّة العسكريّة، التي نُفّذَت دون تفويض من مجلس الأمن الدولي، ودون تفويض من الكونغرس، ودون ادّعاء بالدفاع عن النفس، ودون أيّ مُبَرّر قانونيّ معقول، أخطَر هجوم حتى الآن على النظام القائم على القواعد. ليس النظام القانوني الدولي القائم وحده هو المُهَدّد الآن؛ بل إن بقاء أيّ قواعد على الإطلاق، وما يترتّب عليها من قيود على مُمارَسَة سلطة الدولة، مُهَدّدٌ أيضاً.
صعود وسقوط النظام العالمي
قبل أن تتخلّى الدول عن حقّها في الحرب، أوّلاً في ميثاق كيلوغ-برياند عام 1928، ثمّ في ميثاق الأمم المتحدة عام 1945، كان شنّ الحرب قانونياً ومشروعاً تماماً. فقد كانت الوسيلة الرئيسية التي تحلّ بها الدول نزاعاتها فيما بينها. ولكن حتى في ذلك الوقت، كانت الحرب مُقَيّدة بالقانون. فالحرب، بمفهومها القانوني، كانت تُفهَم على أنّها الملاذ الأخير الذي يُلجَأ إليه لإنفاذ حقوق الدولة أو الدفاع عنها. ولم يكن يُسْمَح بالقتل والاستيلاء على الممتلكات والتدمير إلّا إذا كان القانون يُبَرّر كلّ ذلك.
في مطلع القرن العشرين، ولعدّة قرون قبل ذلك، لم يكن بوسع أيّ دولة أن تَدّعي ببساطة رغبتها في الاستيلاء على أرض دولة أخرى. فبحسب القانون الدولي العُرفي، كما فَسّرَه ونَشَرَه هوغو غروتيوس، المُلَقّب بأبي القانون الدولي، في أوائل القرن السابع عشر، كان على الدولة تقديم مُبَرّر قانوني قبل خَوْض الحرب. كان العنف مقبولاً، ولكن فقط إذا كان ضرورياً لاسترداد حقٍ قانوني. وكان على السياديين أن يُثبِتوا أنّ دولة أخرى قد تخلّفت عن سداد دين، أو تدخّلت بشكل غير مقبول في العلاقات التجارية، أو انتهَكت التزام مُعاهَدة، أو ارتكبت خطأً آخر يُعتَبَر سبَباً مقبولاً للحرب. وقد حَظِيَت هذه المُمارَسة بموافقة قانونية رسمية من الدول التي وقّعَت على صلح وستفاليا عام 1648، حين أقَرّت بأنّ مَنْ يخوض الحرب يجب أن يُعلِن "اعترافاً قانونياً بالسبب". وقد أخذ السياديّون هذا الالتزام على محمل الجد، فكانوا يُصدِرون دائماً بيانات حربيّة لتوضيح أسباب دخولهم في أيّ نزاع فور اندلاع القتال. لقد فعَلوا ذلك انطلاقاً من فَهمِهِم أنه بدون مثل هذا الادّعاء، فإنّ العنف ليس حرباً، بل هو جريمة: قتل، واعتداء، وخطف، وسرقة.
على مدى العقود الثمانية الماضية، تمّ تحديد المُبَرّرات المشروعة للحرب بشكل أكثر دقّة. يقوم النظام الدولي الحالي على أساس أن استخدام القوّة من قِبَل دولة ضدّ أخرى محظور، بل يُعَدّ جريمة، إلّا إذا تمّ ذلك دفاعًا عن النفس أو بتفويض جماعيّ من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. لا تُعتَبَر الحرب أداة سياسيّة اختياريّة، ولا يَمنَح الاستخدام غير المشروع للقوّة مُرتَكِبَها أيّ حقوق قانونية. فبينما كان غزو الأراضي كافيًا في السابق لاكتساب مُلكِيّتها، إذا استولَت دولةٌ اليوم على أراضي دولة أخرى من خلال استخدام غير مشروع للقوّة، فإن بقيّة العالَم مُلزَم بعدم الاعتراف بمَطالِبها بالسيادة على تلك الأراضي. وقد انتهَكت دولٌ هذه القواعد، وأحيانًا بشكلٍ خطير. لكن حتى الدول التي انتهَكت القواعد قدّمت مُبَرّرات قانونية، مُدرِكةً أن الدول الأخرى - ومُواطِنيها - يعتقدون أن قتل الناس والاستيلاء على أراضيهم ومُمتلكاتهم يتطلّب مُبَرّرًا، وليس مجرّد قوّة.
لم تَعُد إدارة ترامب تسعى للعمل ضمن هذا النظام. فعلى مدار العام الماضي، دأبت على مُهاجَمَة وتفكيك البُنية القانونية للنظام القائم. وهي تُعاقِب القُضاة والمُحامين العاملين في المحكمة الجنائيّة الدوليّة لمنع مُلاحَقَة الجرائم. كما أنها تُقيم حواجز تجارية، وتنتهك اتفاقيّات منظّمة التجارة العالميّة، وتتراجع عن مبدأ التجارة الحرّة الذي كان يُشَكّل ركيزة الاستقرار العالمي. وهي تتخلّف عن سداد التزاماتها تجاه الأمم المتحدة، وتنسحب من معاهدات لا حصر لها أو تنتهكها. وتُهَدّد علَنًا دُوَلًا وأقاليم ذات سيادة - فنزويلّا اليوم، وكولومبيا، وكوبا، وغرينلاند، والمكسيك غدًا - ليس بإجراءات قانونية مُصَرّح بها من مجلس الأمن الدولي، بل باستخدام القوّة والإكراه الأحاديّ غير القانونيين. ولأنّ العديد من الدول تعتمد على الولايات المتحدة في دفاعها، واستقرارها الاقتصادي، أو كِلَيهِما، فقد وقفَت جميعها تقريبًا، باستثناء قلّة قليلة، مُتَفَرّجة على هذا الدمار.
لا مزيد من القواعد
سيكون من السيّئ بما فيه الكفاية العودة إلى النظام الدولي ما قبل الحرب، حيث انخرَطت الدول في النهب والغزو عَلَنًا ودون أيّ اعتذار. لقد كان زمَنًا شنّ فيه القادة حروبًا استنادًا إلى انتهاك طيْف واسع من الحقوق القانونية، وعانى فيه الشعب من عواقب العنف الواسع النطاق الذي أعقب ذلك.
لكن ما قد يُخَبّئه المستقبل قد يكون أسوأ. فعلى المدى القريب، يُواجِه العالم حالة من عدم الاستقرار العميق؛ فقد يلجأ القادة أحيانًا إلى قواعد ما بعد الحرب، لكنهم قد يتجاهلونها بشكل مُتَزايِد، تبعًا لما يخدم مصالحهم. وهذا يُنذِر بصراع لا هوادة فيه، إذ ستكون الدول في حيرة من أمرها بشأن ماهيّة القواعد، وبالتالي غير متأكّدة من كيفيّة تجنّب إثارة العنف. وإلى أن تترسّخ مجموعة واضحة من القواعد، سيَظلّ العالَم مكانًا شديد الخطورة.
ثمّة احتمالٌ على المدى البعيد يتمثّل في عالَمٍ لم تَعُد فيه الدول ممنوعة من اللجوء إلى القوّة، وتتصرّف فيه قوّة عظمى واحدة على الأقل كما لو لم تكن هناك قواعد على الإطلاق. في هذا العالم، لن تكون القواعد غير قابلة للتنبّؤ فحسب، بل ستعتمد كلّياً على دوافع من يمتلك القوّة القسريّة الأكبر في لحظة مُعَيّنة.
الأمر المُقلِق هو أن إدارة ترامب تبدو وكأنها تُمَهّد الطريق لمثل هذا العالم. ففي اليوم التالي لاختطاف الولايات المتحدة لمادورو وزوجته في فنزويلّا، أوضح ستيفن ميلر، كبير مُساعدي ترامب، منطق الإدارة في مُقابَلة مع جيك تابر، مُقَدّم برنامج .CNN قال ميلر: "نحن نعيش في العالم، في العالم الحقيقي يا جيك؛ تحكمه القوّة، تحكمه السلطة. هذه هي القوانين الثابتة للعالم منذ الأزَل". لم يُقَدّم ميلر، ولا أيّ شخص آخر في الإدارة، أيّ مُبَرّر قانوني حقيقي لشنّ هجوم عسكري على فنزويلّا، وهي عملية أسفَرت عن مقتل 75 شخصًا على الأقل. كما لم يكن هناك أيّ مُبَرّر قانوني للخطّة التي أعلنَها ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي للاستيلاء على "ما بين 30 و50 مليون برميل" من النفط الفنزويلي. بدَلاً من ذلك، نشرت وزارة الخارجية الأمريكية صورة للرئيس الأمريكي تحمل عبارة "هذا نصف الكرة الأرضيّة الخاصّ بنا"، ووصَف ترامب نفسه في منشور على منصّة "تروث سوشيال" بأنه "الرئيس المؤقّت لفنزويلّا". والآن، بدأت الإدارة الأمريكية تُوَجّه أنظارها نحو غرينلاند. فقد زَعَمَ بيان صادر عن البيت الأبيض بعد أيام من القبض على مادورو، أنّ الولايات المتحدة "بحاجة" إلى غرينلاند، وأنّ الاستحواذ على هذه المنطقة يُمَثّل "أولويّة للأمن القومي".
إنّ ما يُثير القلَق بشأن أقوال وأفعال إدارة ترامب ليس مجرّد انتهاكها للقانون، وهو أمرٌ واردٌ بالفعل: فالتدخّل في فنزويلّا يُعَدّ انتهاكًا صريحًا لميثاق الأمم المتحدة الذي يَحظُر استخدام القوّة. بل إن الأمر يتجاوز ذلك؛ إذ إنّ المسؤولين الأمريكيين قد تجاهلوا فكرة القيود القانونية تمامًا. فالقَيْد الوحيد، كما صرّح ترامب في مُقابَلة مع صحيفة نيويورك تايمز الأسبوع الماضي، هو "أخلاقه الشخصيّة". لا يوجد أيّ مُبَرّر حقيقي لسلوك الحكومة، ولا تَظاهُر، ولا مُحاوَلة للإقناع. عندما تُعلَن سياسةٌ ما في منشور على الإنترنت، دون أيّ تفسير أو تبرير، ينتاب المرء شعورٌ مُقلِق بأنّ واضعيها لا يَرون أيّ داعٍ لتغطيتها بالكذب. قد يصمد نظام القواعد أمام بعض النفاق، لكن العَدَمِيّة كفيلةٌ بإسقاطه.
في الوقت نفسه، تتصرّف إدارة ترامب وكأنّ التهديد باستخدام القوّة أو استخدامها وحده يمنحها حقوقًا قانونية. لقد عادت دبلوماسية القوّة، التي تمّ رفضها بشدّة عندما تمّ حظْر الحرب. تَستخدم الولايات المتحدة الحصار النفطي، والاستيلاء القسري، والتهديدات العسكرية لانتزاع تنازلات سياسية واقتصادية من الدول الأخرى. هذه مُحاوَلة للتأكيد على أن القوّة وحدها تخلق الحقوق، بغضّ النظر عن المنطق.
إن عالَماً لا يشعُر فيه الأقوياء بالحاجة إلى تبرير أنفسهم ليس مجرّد عالَم ظالم، بل هو عالَم هَمَجي: فعمليّات القتل والسرقة والتدمير مُنفَصِلَة تماماً عن أيّ ادّعاء بالحق. هذا العالَم يفتقر إلى أيّ نظام قانوني، ولا يقوم إلّا على القوّة التي تُحَرّكها أهواء رجلٍ واحد.
المصدر:
foreign affairs
الكاتب:
Oona A. Hathaway and Scott J. Shapiro
2026-01-27 10:45:59 | 38 قراءة