التصنيفات » مقالات سياسية

كيف منَعت إيران أقمار «ستارلينك» من العمل؟

كيف منَعت إيران أقمار «ستارلينك» من العمل؟

التجربة الإيرانية أعادت فتح السؤال: إذا كانت منظومة Starlink  صمَدت في الساحة الأوكرانية أمام روسيا، فكيف تمكّنت إيران من تقليص فاعليّتها داخل أراضيها؟

علي عواد

الإثنين، 12 كانون الثاني 2026

بعد إغلاق الجمهورية الإسلامية في إيران شبكات الإنترنت المحليّة خلال فترات التوتّر والاحتجاجات، انتظَر الغرب تفعيل منظومة «ستارلينك» لكَسْر العتمة الرقميّة. المنظومة، المملوكة للملياردير إيلون ماسك، تُقَدّم منذ سنوات إنترنت «لا مركزيّاً» يبث من الفضاء ويصعب على الدول حجبه أو تعطيله.

تعتمد «ستارلينك» على كوكبة ضخمة من الأقمار الاصطناعية العاملة في المدار الأرضي المُنخَفِض ]؛LEO]

 تُرسِل الإشارة مباشرة إلى الأرض، حيث يلتقطها صحنٌ تبيعه الشركة، أصغر بكثير من صحون استقبال الإرسال التلفزيون الفضائي التقليديّة.

تتّصل هذه الصحون بجهاز توجيه 

Wi-Fi Router

 يُحَوّل الإشارة الفضائيّة إلى شبكة إنترنت محليّة قابلة للاستخدام على الهواتف والحواسيب.

ظهَرت أهميّة «ستارلينك» عالمياً بعد استخدامها على نطاق واسع في أوكرانيا عقب الحرب الروسية عام 2022. هناك، شكّلت الخدمة بنية اتصال حيويّة للجيش الأوكراني، وللبنية المدنيّة في آنٍ واحد. ورغم مُحاوَلات روسيّة مُوَثّقة للتشويش الإلكتروني في المراحل الأولى، نجحت الشركة في تحديث البرمجيّات وتعديل أنماط الاتصال، ما سمَح باستمرار الخدمة وأعطاها وزناً ميدانياً حقيقياً في إدارة المعركة واللوجستيّات.

أعطى هذا السياق انطباعاً لدى الناس بأن التشويش على «ستارلينك» مهمّة شبه مستحيلة. غير أنّ التجربة الإيرانية أعادت فتح السؤال: إذا كانت المنظومة صمَدت في الساحة الأوكرانية أمام روسيا، فكيف تمكّنت إيران من تقليص فاعليّتها داخل أراضيها؟

اختبار القوّة الكهرومغناطيسيّة

تُفيد التقارير بأنّ إيران استخدَمت طَبقَتيْن من الإجراءات لتحييد منظومة «ستارلينك»:

أوّلاً، تعتمد صحون «ستارلينك» على منظومة

 تحديد المواقع العالميّة GPS

  لتحديد موقع الأقمار الاصطناعية وتوجيه الاتصال نحوها. منذ حرب الاثني عشر يوماً، فعّلت إيران تشويشاً واسعاً على إشارات GPS

 في إطار إجراءات أمنيّة مُرتَبِطَة بالمُسَيّرات والتهديدات الجويّة. نتيجة ذلك، واجهت صحون «ستارلينك» المُهَرَّبة إلى داخل إيران صعوبة في الحفاظ على اتصال مُستَمِر وفعّال مع الأقمار.

ثانياً، وفق خبراء اتصالات فضائية وتقارير إسرائيلية، استخدَمت إيران خلال الأيام الماضية أدَوات متقدّمة للسيطرة على المجال الكهرومغناطيسي بهدف تعطيل الاتصالات. والمجال الكهرومغناطيسي هو الحَيّز الذي تنتقل عبره الموجات الكهربائية والمغناطيسية المُستَخدَمة في الاتصالات والرادار والملاحة وكلّ ما يعتمد على الإشارات اللاسلكيّة.

يدور الحديث عن نشر إيران منظومات تشويش وبثّ تداخل كهرومغناطيسي مُوَجَّه تعمل ضمن نطاقات تردديّة محدّدة، وتستهدف إشارات الاتصالات والملاحة والربط الفضائي. أدّت هذه المنظومات إلى رفع مستوى الضجيج الكهرومغناطيسي وإضعاف قدرة الأجهزة على استقبال الإشارة الآتية من الفضاء، ما انعكس مباشرة على استقرار الخدمة وجودتها، مع تسجيل نسب انقطاع بلغت في ذروتها نحو 80 في المئة.

يُعرَف هذا النمط في الأدبيّات العسكرية بالحرب الإلكترونيّة أو الحرب الكهرومغناطيسيّة، ويعتمد على إدارة الطيف التردّدي والتحكّم فيه. تتميّز الأدوات المُستَخدَمة بقدرة عالية ودقّة توجيه، وقابليّة للعمل على مساحات واسعة أو نقاط مُنتَقاة. يشمل هذا الأسلوب استخدام وسائل تقنيّة مُتَداخِلَة للتحكّم في موجات الاتصال، عبر تشويش الإشارة الأصليّة أو العبَث بالإشارات التي تعتمد عليها الأجهزة لتحديد موقعها واتصالها. تُشَغَّل هذه المعدّات أحياناً لفترات قصيرة ومن أماكن مُتَغَيّرة، ما يُصَعّب اكتشافها أو تَتَبّع مصدرها. يهدف ذلك إلى إرباك النظام المُستَهدَف وجعل الخدمة غير مستقرّة من دون ترك آثار واضحة تُبَيّن آليّة التعطيل أو توقيته.

في هذا السياق، يُشير معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي  INSS

تطوّر القدرات  إلى أن الكهرومغناطيسية الإيرانية أصبح جزءاً مُدمَجاً من العقيدة العسكرية. يُقَدّم المعهد تقييماً يَعتَبِر المجال الكهرومغناطيسي ساحة عمليّات قادرة على تعطيل البنى التحتيّة التقنيّة للخصوم من دون انخراط عسكري مباشر.

تُظهِر التقديرات الإسرائيلية استثمارات إيرانية مُتَراكِمة في التشويش المُتَقَدّم والهجوم الإلكتروني-الكهرومغناطيسي وتقنيّات التعطيل غير الحركي، مع الاستفادة من خبرات سابقة في الدفاع الجويّ والحرب الإلكترونية وتجارب التشويش على البثّ الفضائي التلفزيوني والاتصالات.

إلى جانب ذلك، يُرَجَّح استخدام أدوات وتقنيّات إضافيّة غير مُعلَنَة في تقليص فاعليّة منظومة «ستارلينك» إلى حدودها الدنيا. تَفرِض طبيعة الحروب الإلكترونية مستوى عالياً من السرّية لجهة نوع المعدّات وأساليب التشغيل ونطاق الاستخدام؛ وتُدرَج هذه القدرات ضمن المجالات الحسّاسة المرتبطة بالأمن القومي، ولا يُكشَف عنها إلّا نادراً أو بعد مرور وقتٍ طويل.

تُعَدّ الحرب الإلكترونية من أسرع مجالات الصراع تطوّراً على المستويين العسكري والتقني. تعمل الدول على تحديث منظوماتها بشكل دائم عبر التجربة والاختبار والتكيّف مع ردود الفعل المُقابِلَة، ما يدفع نحو سباق مُستَمِرّ لتحسين الأدَوات وضمان فعاليّتها في بيئات تقنيّة مُتَغَيّرة ومُعادِيَة.

 

2026-01-26 11:52:41 | 53 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية