التسوية المعقّدة:
فُرَص وتحدّيات نجاح خطّة ترامب للسلام في أوكرانيا
13 ديسمبر، 2025
د. إبراهيم فوزي
مُدَرّس مُساعِد بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدّمة
أحدثَت خطّة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، للسلام في أوكرانيا، زخماً كبيراً في الأوساط الدولية. وأظهَر نشاط الدبلوماسية الأمريكية في الأيام التالية للكشف عن الخطّة في 21 نوفمبر 2025، سعياً للوصول إلى تسوية تُنهي الحرب في أوكرانيا. ويُثير كلّ ذلك تساؤلات جادّة بشأن فُرَص نجاح مساعي واشنطن للوصول إلى اتفاق مقبول لدى أطراف الصراع الروسي الأوكراني، وكذلك طبيعة التحدّيات التي قد تُعَرقِل مسار المفاوضات الراهنة.
خطّة ترامب:
في مُحاوَلة لاستنساخ خطّة السلام في قطاع غزة، كشَف موقع "أكسيوس" الأمريكي، في 21 نوفمبر الماضي، عن خطّة للرئيس ترامب لتسوية الصراع الروسي - الأوكراني. وتتكوّن الخطّة من 28 نقطة من أهمّها: الاعتراف بتبعيّة إقليم الدونباس بالكامل لروسيا، مُتَضَمّناً تلك الأراضي التي لا تزال خاضعة لسيطرة كييف، وتحديد عدد أفراد القوّات المسلّحة الأوكرانية بـ600 ألف جندي، والتخلّي عن فكرة انضمام كييف إلى حلف الناتو؛ مقابل ضمانات أمنيّة موثوقة لأوكرانيا، وتأكيد سيادتها، وإنشاء صندوق لتمويل إعادة إعمارها من خلال الأصول الروسيّة المُجَمّدة.
وفي اليوم التالي، رَحّب الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بخطّة ترامب، واعتبَرها تُشَكّل أساساً لتسوية سلميّة نهائيّة. فيما اعترَضت عليها أوكرانيا ودول الاتحاد الأوروبي؛ حيث صرّح الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، بأن هذه الخطّة تضع بلاده أمام خيارات صعبة تُهَدّد كرامتها. وقال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، يوم 25 نوفمبر الماضي، إن أوروبا تريد سلاماً وليس استسلاماً، مُشيراً إلى ضرورة إدخال تعديلات على الخطّة.
وفي هذا الإطار، ألقَت خطّة ترامب حَجَراً في مياه التفاوض الراكدة، وبعثَت الأمل بشأن إمكانيّة إنهاء الحرب في أوكرانيا. ومع أنّ ترامب اتّخذ نهجاً متشدّداً في بداية الأمر، ومنَح الأوكرانيين مهلة قصيرة للموافقة على خطّته؛ غير أنه عاد إلى التأكيد أنها مجرّد صيغة أوليّة قابلة للنقاش والتنقيح. ونتيجة ذلك، دارت عدّة مباحثات بين أطراف الصراع المختلفة بوساطة أمريكية. وجاءت البداية في جينيف بعَقد مُشاورات بين وفود أمريكية وأوروبية وأوكرانية يومي 23 و24 نوفمبر الماضي، وأسفَرت عن إطار عمل للسلام يشمل تخفيفاً لبعض بنود خطّة ترامب بما يراعي سيادة أوكرانيا واستقلالها، لكن دون الإعلان عن نصّه. ثمّ جرَت جولة مُباحثات ثنائيّة بين الأمريكيين والأوكرانيين في فلوريدا يوم 30 نوفمبر الماضي، حيث صيغَ "إطار عمل مُحَدّث ومُنَقّح للسلام" من 19 بنداً دون الإعلان عن تفاصيله أيضاً. وأبدَت واشنطن تفاؤلاً إزاء التوصّل إلى اتفاق يُنهي الحرب في أوكرانيا، حسبما جاء على لسان المتحدّثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، في اليوم التالي.
وعلى إثر ذلك، توجّه المبعوث الشخصي لترامب، ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس، جاريد كوشنر، إلى موسكو، يوم 2 ديسمبر الجاري، والتقَيا الرئيس بوتين لعَرض الخطّة الجديدة في جلسة امتدّت لأكثر من خمس ساعات. ومع أنّ ترامب وصفَها بأنها "جيّدة إلى حدٍ ما"، غير أنها لم تُحدِث اختراقاً أو تجِد حلاً للنقاط العالقة في التفاوض. وفَور عودة فريق التفاوض الأمريكي، جرَت جولة مباحثات ثنائيّة جديدة مع نظيره الأوكراني، المُكَوّن من كبير المفاوضين ومستشار الأمن القومي، رستم عمروف، ورئيس أركان الجيش الأوكراني، الجنرال أندريه هناتوف، والتي بدأت في 4 ديسمبر الجاري واستمرّت ثلاثة أيّام في ميامي؛ وذلك في مُحاوَلة الوصول إلى مساحة وسط بين مطالب الرّوس ومصالح الأوكرانيين.
وكانت آخر المستجدّات أن الرئيس ترامب أمهَل نظيره الأوكراني زيلينسكي أيّاماً للردّ على المُقتَرَح الأمريكي للسلام، حسبما كشفت صحيفة "فايننشال تايمز" يوم 9 ديسمبر الجاري. وفي نفس اليوم، كرّر ترامب، في مُقابَلة مع موقع "بوليتيكو"، انتقاداته اللاذعة لزيلينسكي، مُجَدّداً دعوته لأوكرانيا إلى إجراء انتخابات جديدة؛ كما شنّ هجوماً على حُلفائه الأوروبيين، مُتّهِماً إيّاهم بالفشل في إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا.
عوامل داعمة:
تُشير التطوّرات الأخيرة في مسار التفاوض بشأن إنهاء الحرب في أوكرانيا إلى وجود مجموعة من العوامل التي قد تُشَكّل إطاراً مُحَفّزاً لوقف القتال واللجوء إلى طاولة المفاوضات لتسوية القضايا العالقة. وتتمثّل هذه العوامل في الآتي:
1- طول أمَد الحرب وإنهاكها الأطراف المعنيّة: ففي فبراير 2026، تَدْخل الحرب الروسية - الأوكرانية عامها الخامس، لتُصبِح واحدة من الصراعات المُمتَدّة التي يستمرّ القتال فيها لمدّة طويلة دون انتصار سريع وحاسم لأيّ طرَف؛ ممّا يخصم من النفوذ الاستراتيجي للمُتَحارِبين، ويؤدّي إلى استنزاف تدريجي لمَوارِدهم البشريّة والماليّة.
فمن ناحيتها، تُعاني روسيا من مشكلات في تأمين القوّة البشرية المُقاتِلَة؛ حيث أثارت التعبئة الجزئيّة في عام 2022 غضباً شعبياً آنذاك؛ ومن بعدها اعتمَدت موسكو على تجنيد المُتَطَوّعين نَظير مزايا وحوافز ماليّة. ويُشير تقرير نشرَه مركز الدراسات الاستراتيجيّة والدوليّة CSIS، في يونيو الماضي، إلى أنه منذ يناير 2024 تُحَقّق القوّات الروسيّة اختراقات عسكرية بطيئة ومحدودة مُقارَنةً بالأهداف المُتَوَقّعة وحجم الخسائر البشرية والمادية التي تتكبّدها. إضافة إلى ذلك، يُريد الرئيس بوتين أن يغتَنم تحسّن العلاقات مع الولايات المتحدة في عهد ترامب، لتحقيق تسوية مُرضِيَة له تُنهي الحرب قبل أن تتغيّر الإدارة الأمريكية الحاليّة.
وفي المقابل، خسِرت أوكرانيا نحو خُمس أراضيها، وتُعاني في سبيل توفير المَوارِد اللازمة للاستمرار في القتال، وتعتمد أساساً على المساعدات العسكرية والاقتصادية الغربية، وتتكبّد مؤخّراً خسائر ميدانيّة كبيرة. ومع اصطفاف الدول الأوروبية خلْف كييف، ودعمها سياسياً ومالياً وعسكرياً ولوجستياً منذ بداية التدخّل العسكري الروسي؛ فإنّ استمرار الحرب يستنزف اقتصادات أوروبا ويُهَدّد أمنها القومي. ويبدو أن أغلبها غير مُستَعِدٍ للمغامرة بالدخول في تصعيد عسكري غير محسوب ضدّ موسكو.
وفي ضوء ذلك، وبالرّغم من المُناوَشات والتهديدات الكلاميّة بين الرئيس بوتين وبعض قادة أوروبا؛ يبدو كلاهما يتّبع سياسة "حافّة الهاوية"، حيث لا يرغب أيٌ من الطرَفين في مُواجَهَة مفتوحة؛ لذا استقبلت الأطراف المعنيّة خطّة ترامب للسلام بمزيج من التحفّظ والتفاؤل، وعَبّرَت عن رغبتها في وقف القتال، مُعتَبِرَة أن الخطّة تقدّم إطاراً مُتَماسِكاً يمكن التفاوض حول بنوده بين أروِقة الديبلوماسيّة.
2- إصرار ترامب على إنهاء الحرب: صرّح ترامب أكثر من مرّة خلال حملته الانتخابية في العام الماضي، بأنه بمقدوره وقف الحرب الروسية -الأوكرانية خلال 24 ساعة بعد تولّيه السلطة، بينما يقترب عامه الأوّل بالبيت الأبيض من الانتهاء دون تحقيق تقدّم يُذكَر في هذا الشأن. ولعلّ هذا ما قد يُفَسّر التحرّكات المُكَثّفة للدبلوماسية الأمريكية على مَدار الأسابيع الماضية لإنهاء الحرب الأوكرانية. فمن ناحية، يرغب الرئيس ترامب في تعزيز إرثه الشخصي بوصفه "صانع الصفقات" و"رئيس السلام" كما لقّب نفسه مراراً، خصوصاً في ولايته الثانية؛ ممّا يزيد من أسهم شعبيّته المُتَراجِعَة نسبياً في الداخل الأمريكي.
ومن ناحية أخرى، يتعامل الرئيس ترامب مع الحرب الأوكرانية من منظور براغماتي، ويعتبر أن التكلفة العسكرية والاقتصادية للحرب تتجاوز المكاسب المُتَوَقّعة، وأنّ المصلحة الأمريكية تقتضي تعزيز الشراكة الاستراتيجيّة مع موسكو؛ حيث يعتقد بوجود فُرَص استثمارية للشركات الأمريكية في روسيا بعد إنهاء الحرب. ولعلّ هذا ما دفع رئيس وزراء بولندا، دونالد توسك، للقول إن الخطّة "لا تتعلّق بالسلام بل بالأعمال التجارية".
وفي هذا الإطار، يُدرِك الرئيس ترامب أنه يُمسِك بخيوط اللعبة، وأن زيلينسكي وقادة أوروبا سوف يُجارونه خوفاً من أن يتوقّف عن مَدّ كييف بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتيّة؛ الأمر الذي قد يجعل أوكرانيا في هذه الحالة فريسة سهلة في أيدي الرّوس.
وتكشف استراتيجيّة الأمن القومي الأمريكي، الصادرة في 4 ديسمبر الجاري، عن غضب ترامب من سياسات قادة أوروبا إزاء الصراع في أوكرانيا، وتُشير إلى أن مصلحة دول الناتو عموماً تتلخّص في وقف الأعمال العدائيّة وإعادة إعمار أوكرانيا، لإنقاذ اقتصاداتها، وليس الانخراط في تصعيد عسكري مع موسكو. كما تنتَقد الوثيقة ما وصفَته بـ"تراجع الديمقراطية الأوروبية" بالادّعاء أن الحكومات لا تُصغي لرغبة شعوبها في السلام؛ وذلك في إشارة إلى تشدّد بعض الحكومات الأوروبية حيال فكرة تقديم تنازلات للروس من أجل وقف الحرب في أوكرانيا، بينما تُطالِب الشعوب الأوروبية بإنهاء الحرب والتركيز على المشكلات الداخلية. بل تذهب الوثيقة إلى أبعد من ذلك؛ حيث تعتبر أن تصوّر الأوروبيين عن حلف الناتو باعتباره "تحالفاً في توسّع دائم"، فكرة بالية تتعارض مع توازن القوى في النظام الدولي الراهن. ولكلّ ما تقدّم، يبدو الرئيس ترامب عازماً على عقد صفقة سريعة تُنهي الحرب.
3- اهتزاز الثقة الأوكرانيّة في الرئيس زيلينسكي: تضرّرت مصداقيّة الرئيس الأوكراني في الفترة الأخيرة بسبب تهم الفساد التي طالَت بعض مُستَشاريه، وأبرزهم رئيس ديوان الرئاسة والمسؤول عن ملفّ مفاوضات السلام، أندريه يرماك، الذي أعلَن استقالته يوم 28 نوفمبر الماضي بعد مُداهَمَة أجرَتها سلطات مُكافَحة الفساد لمنزله، في إطار الكشف عن شبكة رشاً ضخمة في شركة الطاقة الحكومية.
وأثارت هذه الوقائع غضب الشارع الأوكراني، حيث بدَت القيادة السياسية غير مُبالِيَة بالشعب الذي يُعاني من أزمات اقتصادية غير مسبوقة، ويموت أبناؤه في الحرب. وقد ضاعَف من الضغوط الداخلية على زيلينسكي؛ ارتفاع حِدّة العمليّات العسكرية على خطوط التماس مع القوّات الروسيّة، ونجاح الأخيرة في تحقيق تقدّم ملموس ببعض جبهات القتال في الشرق والجنوب. وهذا ما جعَل القيادة الأوكرانية تُواجِه ضغوطاً سياسية وعسكرية مُزدوَجة قد تدفعها إلى النظر في تقديم بعض التنازلات أمَلاً في الحفاظ على الدولة من الانهيار.
تحدّيات النجاح:
على الرّغم من الزّخم السياسي الذي أحدثَته خطّة ترامب للسلام في أوكرانيا، وما ترتّب عليها من جولات بقيادة واشنطن للتفاوض بشأن البنود العالقة بين الأطراف المعنيّة بالحرب؛ لا تزال الخطّة تُواجِه تحدّيات رئيسية قد تقف حَجَر عثْرة أمام نجاحها؛ ومن أبرزها ما يلي:
1- الخلاف حول مصير الأراضي الأوكرانيّة: تُعَدّ هذه النقطة إحدى أبرز الإشكاليّات في مُقتَرح ترامب؛ إذ تُسَلّم الخطّة الأوليّة بالسيطرة الروسية على منطقة الدونباس، والتي تضم لوغانسك ودونيتسك، وانسحاب الأوكرانيين من المناطق الخاضعة لسيطرتهم في دونيتسك، وتجميد الوضع في مقاطعتي خيرسون وزابوريجيا لتقسيمها بين الطرَفَيْن، مع انسحاب روسيا من خاركيف وسومى ودنيبروبتروفسك؛ وذلك في مقابل ضمانات أمنيّة لإبقاء أوكرانيا "قابلة للحياة"، حسب تعبير ترامب.
ومن جانبها، تصِف كييف التعهّدات الأمنيّة الأمريكية بأنها غير واضحة وغير كافية، وأنّ التسليم باقتطاع أراضٍ أوكرانية لصالح موسكو لن يلقى قبولاً شعبياً؛ هذا فضلاً عن أنه لا يضمن تحقيق سلام مُستَدام ولا يحمي كييف من تعرّضها لتدخّل عسكري جديد. ولذا، يُطالِب الرئيس زيلينسكي بضمانات أمنيّة قويّة تُلزِم الحُلفاء الغربيين، وعلى رأسهم واشنطن، بالدفاع عن أوكرانيا حال تعرّضها لاعتداء روسي، لا سيّما وأن اتفاقيّة بودابست لعام 1994 التي تخلّت كييف في إطارها عن ترسانتها النووية مقابل ضمانات أمنيّة أمريكية وروسية وبريطانية، لم تمنع الروس من السيطرة على شبة جزيرة القرم في عام 2014، ثم الزحف على أراضي أوكرانيا مجدّداً في فبراير 2022.
وفي هذا السياق، شغلَت قضية الأراضي الأوكرانية أهميّة بالغة في النقاشات حول خطّة الرئيس ترامب للسلام، ولا تزال أحد أبرز القضايا العالقة في المفاوضات. فعلى سبيل المثال، أفادَت تقارير إعلاميّة بأن موسكو رفضت اقتراحات الوفد الأمريكي بالانسحاب من أيّة أراضي تحت سيطرتها. لذا، صرّح مُستَشار بوتين ومُفاوِضُه الرئيسي، يوري أوشكاوف، يوم 3 ديسمبر الجاري، بأن مُباحثات السلام لا تزال في مراحلها المُبكِرة؛ لأنّ بعض النقاط لا تقبلها روسيا. ومع أن المبعوث الأمريكي الخاص إلى أوكرانيا، كيث كيلوغ، اعتَبَر، يوم 6 ديسمبر الجاري، أنّ التوصّل إلى اتفاق يُنهي الحرب بات "قريباً جداً"، إلّا أنه أكّد وجود عَقَبَة رئيسيّة، وهي قضية الأراضي الأوكرانية الخاضعة لسيطرة موسكو. وفي يوم 8 ديسمبر الجاري، شدّد الرئيس زيلينسكي على أنه لا يملك الحقّ قانونياً أو أخلاقياً في التخلّي عن أراضٍ من بلاده، مُشيراً إلى عدم التوصّل إلى اتفاق بشأن هذه القضية بين فريقي التفاوض الأمريكي والأوكراني.
2- الاعتراض الأوروبي على النهج الأمريكي في المفاوضات: يخشى الأوروبيون من توجّه الإدارة الأمريكية الأحاديّ والارتجالي في المفاوضات مع روسيا وأوكرانيا، وأنها تتعمّد تهميش دور أوروبا للضغط على فريق التفاوض الأوكراني؛ إذ تمّت صياغة الخطّة الأوليّة دون التنسيق مع الأوروبيين؛ ثم غاب وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، عن اجتماع وزراء خارجية الناتو الخاص بمُناقشة هذه الخطّة، ثم استبعَدهم الأمريكيون من المفاوضات الثنائيّة مع الأوكرانيين؛ ممّا عزّز الانطباع بأن واشنطن تتحرّك بمَعزِل عن المصالح الأوروبية، مع الاحتفاظ بالحدّ الأدنى من التشاور معهم.
ولعلّ هذا ما دفَع رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، والرئيس الفرنسي، ماكرون، والمُستَشار الألماني، فريدريش ميرتس، إلى عقد قمّة تشاوريّة في لندن بحضور زيلينسكي يوم 8 ديسمبر الجاري، عَبّروا فيها عن ضرورة إطلاعهم على تفاصيل عمليّة التفاوض، مؤكّدين أن أمن القارّة الأوروبيّة يرتبط بأمن أوكرانيا، وأنهم بصدَد الانتهاء من مسودّة معدّلة من خطّة ترامب لعَرْضِها على واشنطن.
إضافة إلى ذلك، يرى الأوروبيون أن الرئيس ترامب الذي أسهَب مراراً في مدح شخصيّة الرئيس بوتين، لا تنطلق خطّته من عدالة القضية الأوكرانية؛ وإنّما الإقرار بمنطق الأمر الواقع؛ بل وإنها مُنحازة لموسكو وتُطالِب أوكرانيا بالتوقيع على شروط هزيمتها المُتَوَقّعة، ولو بالإكراه، على حدّ تعبيرهم. وهو المعنى الذي أشارت إليه مُكالَمَة مُسَرّبة نشرَتها صحيفة "دير شبيغل" الألمانية يوم 4 ديسمبر الجاري، جمَعت دول الترويكا الأوروبية مع زيلينسكي، حيث حذّر الأخير من "ألعاب واشنطن"، و"احتمال خيانة كييف".
وربما أكثر ما يُزعِج الأوروبيين في هذا الصدد أن ثمّة تقارباً أمريكياً -روسياً أبرزَته استراتيجيّة الأمن القومي الجديدة، والتي حذفت الإشارة إلى موسكو كمصدر تهديد مُباشر. هذا في الوقت الذي تغضّ فيه واشنطن الطرْف عن مخاوف الأوروبيين الأمنيّة من تداعيات أيّة صفقة للسلام في أوكرانيا لا تُراعي مصالحهم. وخلافاً للرئيس ترامب، تعتقد أوروبا أن شرعنة مبدأ تغيير الحدود بالقوّة المسلّحة لن يضع حداً للحرب، وإنما سوف يزيد شهيّة بوتين لضمّ أراضٍ أخرى في أوكرانيا وجورجيا ومولدوفا ودول البلطيق، مُتَذَرّعاً بحقوق الناطقين بالروسيّة فيها.
3- ارتفاع التصعيد السياسي والعسكري بين أطراف الصراع: كشفَت التفاعلات المُرتَبِطَة بخطّة الرئيس ترامب للسلام في أوكرانيا، عن تدهور حاد في مستوى الثقة السياسية بين موسكو من ناحية، وكييف ومن خلْفها القوى الأوروبية من ناحية أخرى. وعلى هامش جولات التفاوض الأخيرة بشأن الخطّة، تبادَل الطرَفان التُّهم بمُحاوَلة إفشال مسار السلام، وأعرَبا عن استعدادهما للاستمرار في القتال، مع التشدّد حيال أيّة تنازلات من شأنها وقف التصعيد العسكري.
فمن ناحيتها، رأت موسكو أن كييف وحُلفاءها الأوروبيين يتظاهرون بالبحث عن السلام، مع طرح طلَبات "غير مقبولة" تُهَدّد أمن روسيا. وصرّح الرئيس بوتين قائلاً: "إمّا أن نُحَرّر هذه الأراضي بالقوّة أو تُغادرها القوّات الأوكرانيّة". كما أدلى بتصريحات عنيفة يوم 2 ديسمبر الجاري، اتّهم فيها قادة أوروبا بتخريب مُحادَثات السلام، مؤكّداً أن روسيا مُستَعِدّة لحربٍ ضدّ أوروبا حال أرادت الأخيرة ذلك.
وفي المقابل، تتّهم كييف والقوى الأوروبية موسكو بالمُماطلة لكسب المزيد من الأراضي بالقوّة المسلّحة، وأنها لا ترغب في سلام حقيقي أو تقديم ضمانات أمنيّة لسلام عادل ومُستَدام، كما جاء على لسان وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، في اجتماع وزراء خارجية الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو يوم 3 ديسمبر الجاري. ويتّصل ذلك بإعلان الكرملين سيطرته الكاملة على مدينة بوكروفسك ذات الأهميّة الاستراتيجيّة قبل هذه القمّة بيومين. وفي يوم القمّة ذاته، أكّد الأمين العام للناتو، مارك روته، أنهم سيُواصِلون تقديم المساعدات العسكرية لضمان استمرار الضغط على روسيا. وأعلنت المفوّضيّة الأوروبية مُقتَرَحاً بتمويل ثلثي احتياجات كييف المالية والعسكرية لعامَيْن مُقبِلَيْن، عبر الاقتراض القائم على الأصول الروسية المجمّدة داخل حسابات شركة "يوروكلير" البلجيكيّة؛ وهو الاقتراح الذي سوف تُناقِشُه قمّة الاتحاد الأوروبي يومي 18 و19 ديسمبر الجاري في بروكسل، لمُعالَجَة مخاوف رئيس وزراء بلجيكا، بارت دي ويفر، من التبعات السياسية والقانونية لهذا الاقتراح. وبالتزامن مع ذلك، وافَق الاتحاد الأوروبي على صفقة للتخلّص التدريجي من واردات الغاز الروسي بحلول سبتمبر 2027؛ ممّا يعني أن أوروبا تستعد لاستمرار الحرب مع روسيا.
مصير مجهول:
قد تكون خطّة ترامب للسلام في أوكرانيا، سواء بصيغتها الأوليّة أم ما تلاها من تعديلات؛ حفّزت مختلف الأطراف الفاعلة للنقاش ومُحاوَلة تقريب وجهات النظَر؛ غير أنها في الوقت ذاته كشفَت عن الأزمة البنيويّة التي تعوق تسوية أحد أكثر الصراعات العسكرية تعقيداً منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية. فمن ناحية، يفتقر طرَفا الحرب الرئيسيين للثقة في بعضهما بعضاً؛ فلا تأمَن روسيا لأوكرانيا، وتعتبر هزيمتها ضرورة لوقف مطامع الناتو في التوسّع شرقاً. وبالمِثل، لا تَثِق كييف في نيّات الرئيس بوتين وتريد ضمانات أمنيّة من شركائها الغربيين، وخصوصاً واشنطن؛ تُعَزّز قدرتها على الردع وعدم تكرار العدوان. ومن ناحية أخرى، ثمّة انقسام جوهري بين الحُلفاء الغربيين أنفسهم، وتحديداً بين إدارة ترامب والاتحاد الأوروبي، بشأن كيفيّة تسوية هذه الحرب، وماهيّة التنازلات التي يمكن تقديمها في سبيل وقف القتال.
ويرغب الرئيس ترامب في عقد صفقة سريعة توقِف القتال في أوكرانيا، وتُضاف إلى ما يَصِفُها بانتصاراته الدبلوماسية. ويُراهِن على قدرة إدارته على مُمارَسَة الضغوط بدرجات مُتَفاوِتَة على موسكو وكييف للالتزام باتفاق يُنهي الحرب. لذا، قد يَنفد صبر ترامب سريعاً إذا لم يُبْدِ الطرفان استعداداً أكبر للتفاهم، أو سعى أيٌ منهما لعرقَلة مسار التفاوض. وقد بدأت مؤشّرات ذلك بالفعل عندما عَبّرَ عن خيْبة أمَله من إدارة الرئيس زيلينسكي لملفّ التفاوض. وفي هذا الصدد، من المُمكِن أن يزيد الرئيس ترامب الضغوط على الكرملين بأن يستخدم صواريخ "توماهوك" الأمريكية، القادرة على ضرب العمق الروسي، والتي سبَق أن طلبَتها أوكرانيا، كورقة ضغط لكي يقبل الرئيس بوتين ببعض التنازلات، وخصوصاً فيما يتعلّق بالضمانات الأمنيّة المطلوبة، وتمويل إعادة إعمار أوكرانيا بجزء من الأصول الروسيّة المجمّدة. في الوقت ذاته، يملك الرئيس ترامب أدَوات للضغط على زيلينسكي، وخصوصاً فيما يتعلّق بالتنازل عن الدونباس.
ختاماً، تتوقّف قدرة الضغوط الأمريكية على كسر حالة الجمود السياسي وإحداث اختراقات في مسار السلام في أوكرانيا، على تقدير طرَفي الصراع الرئيسيين لما يمكن أن يُحَقّقاه من خلال الحرب، وكذلك إلى أيّ مدى سوف تكون أوروبا مستعدّة لمُواصَلَة دعم كييف عسكرياً ومالياً؛ إذا ما قرّر الرئيس ترامب الانسحاب من المَشهَد.
2026-01-08 12:11:13 | 87 قراءة