التصنيفات » مقالات سياسية

الدعوة لانتخاب مجلس وطني فلسطيني: لماذا وُلِدَت ميتة؟

الدعوة لانتخاب مجلس وطني فلسطيني: لماذا وُلِدَت ميتة؟

بقلم: أ. د. محسن محمد صالح، مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

المصدر: الجزيرة.نت

بالرّغم من أنّ إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني (الهيئة التشريعية العليا لمنظّمة التحرير الفلسطينية) تُمَثّل مطلبًا فلسطينيًا عامًا ومُلِحًّا، فإن دعوة الرئيس محمود عباس لانتخابه وُلِدَت ميتة!!

وكان عباس قد أصدر قرارًا في 19 يوليو/ تموز 2025 (بناءً على قرار اللجنة التنفيذية للمنظّمة قبل ذلك بيومين) بإجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني قبل نهاية 2025، وفي موعد يُحَدّده عباس نفسه.

وتَضمَّن القرار أن يكون عدد أعضاء المجلس 350 عضوًا، ثُلثاهم من الضفة الغربية وقطاع غزة. غير أنه اشترَط للعضويّة الالتزام ببرنامج منظمة التحرير والتزاماتها الدولية والشرعية الدولية، أي اتفاقات أوسلو وكلّ ما يَنْبَني عليها من استحقاقات، بما في ذلك الاعتراف بـ"إسرائيل"، والتنازل عن مُعظم فلسطين التاريخية، ونَبذ المقاومة المسلّحة والالتزام فقط بالوسائل السلمية. وفوق ذلك، فقد جعَل عباس تشكيل اللجنة التحضيرية تحت هَيمنته (هَيمنة فتح).

وقد أثار القرار غضب الفصائل والقوى الشعبية الفلسطينية والرموز والمستقلّين، وخصوصًا فصائل المقاومة المُعارِضة لاتفاقات أوسلو، والمُعتَرضة على "عقلية التفرّد" التي ينتهجها عباس وقيادة فتح، والمُطالِبين بإعادة ترتيب البيت الفلسطيني على أُسس تمثيلية حقيقية.

تعميق المأزق الفلسطيني

يَعلَم الجميع خطورة التحدّيات الوجودية التي تُواجهها قضية فلسطين في أيّامنا هذه، وتعرّضها للشطب والإلغاء مع تَصاعد مشاريع الضم والتهجير الإسرائيلية، وتَجاهل الاحتلال الإسرائيلي اتفاقات أوسلو، وكلّ القرارات الدولية ومشاريع التسوية.

ويَعلم الجميع الحالة المُتَرَدّية التي وصلت إليها منظّمة التحرير، حيث صارت أقرب إلى دائرة من دوائر سلطة رام الله؛ في الوقت الذي تُعاني فيه من أزمة في القيادة، وفي البنى المؤسسيّة وانعدام فاعليّتها، ومن أزمة في تفريغ مُحتواها النضالي، ومن هَيمنة فصيل يَحتكر السلطة ويُغلِق أبواب الإصلاح، ومن فقدان للرؤية والبوصلة وإدارة الأولويّات، ومن تهميش للخارج الفلسطيني… وغيرها.

غير أن عباس وفريقه وضعوا مسمارًا جديدًا في نعش "المشروع الوطني الفلسطيني" من خلال هكذا دعوة للانتخابات، حيث بدَت أقرب إلى إعادة ترتيب سيطرة "البيت الفتحاوي" على منظمة التحرير، وليس ترتيب البيت الفلسطيني نفسه؛ حيث يُلاحَظ على القرار:

.1 أنه جاء مُخالِفًا لكافّة التوافقات الفلسطينية التي وَقّعتها "فتح" و"حماس" على مدى العشرين سنة الماضية، بما في ذلك القاهرة 2005، و2011، و2017، و2021، والجزائر 2022، ولقاءات موسكو وبكين في الفترة 2019- 2024، والتي نَصَّت على إصلاح أو إعادة بناء منظمة التحرير وتشكيل مجلس وطني فلسطيني جديد بمشاركة كافّة الفصائل الفلسطينية، بما في ذلك حماس والجهاد الإسلامي، على أُسس تشاركية ديمقراطية، وبما يَضمن تمثيلًا حقيقيًا، وبالانتخاب حيثما أمكن، وبالتوافق عندما يتعذّر ذلك؛ وعبر لجنة تحضيرية مُوَحّدة.

كما تَحَدّثت عدّة توافقات عن تشكيل "إطار قيادي مؤقّت" يُدير المرحلة إلى حين تشكيل مجلس وطني جديد.

.2 أنه يُخرِج "حماس" و"الجهاد" وقوى المقاومة الرافضة لأوسلو من حق المُشارَكة والانتخاب، لأنه يشترط الالتزام باتفاقات أوسلو وما يترتّب عليها من التزامات.

وهي قوى تُمَثّل تيارًا واسعًا في الشعب الفلسطيني. وهو قرار يتعارض مع الميثاق الوطني الفلسطيني (دستور المنظّمة)، الذي يَعدّ كلّ الفلسطينيين أعضاء طبيعيين في المنظّمة، على اختلاف اتجاهاتهم السياسية والأيديولوجية.

.3 أنه يستأثر بالهيمنة على اللجنة التحضيرية، ولا يضمن شراكة حقيقية للقوى الفلسطينية الفاعلة فيها، ويطعن بشفافيّة الانتخابات.

4. أنه يتجاهل الإطار القيادي المؤقّت، ويفرض هيمنة عباس و"فتح" على الإجراءات، ويُسَهّل "هندسة النتائج" مُسبقًا.

5. أنه يُعَمّق الانقسام الفلسطيني بتجاهل القوى الفاعلة على الأرض، ويُعيد إنتاج حالة "مُزَوّرة" للإرادة الشعبية الفلسطينية.

.6 أنه يُعطي فرصة مثالية للأعداء والخصوم لاستكمال مخطّطات شطب القضية الفلسطينية.

فإذا كانت قيادة المنظمة ستُعيد إنتاج منظومتها الفاسدة الضعيفة المُستَبدّة، المُتجاهِلة لشعبها، فليس غريبًا أن تُولَد هذه الدعوة للانتخابات "ميتة"!!

قراءة كارثيّة للواقع

تُعاني قيادة المنظّمة من قراءة كارثيّة للواقع؛ وبالتالي تنفيذ سياسات تَصبّ في إضعاف المشروع الوطني الفلسطيني. إذ تَجد نفسك أمام قيادة مُتَنَفّذة تَظن أن لديها تَرَف الوقت للمُناورة والالتفاف على التوافقات الفلسطينية، مع تجاهل عميق لخطورة المرحلة، والإصرار على عقليّة التفرّد والاستئثار؛ في وقتٍ نحن فيه بأمَسّ الحاجة لاستنفار وتوحيد كلّ القوى الفلسطينية في الداخل والخارج، وإعادة بناء منظّمة التحرير ومؤسّساتها بشكل قويّ وفعّال.

هكذا قيادة تُشعِرك أنها ليست فقط خارج الشرعية الحقيقية، بل خارج البيئة الشعبية وهمومها وأولويّاتها، بل خارج حركة التاريخ!!

وهي قيادة تهرب من أخذ شرعيّتها من قواعدها الشعبية، وضمن المُعادَلة الوطنية، إلى الاتّكاء على عكّازات خارجية عربية ودولية تدعم بقاءها في السلطة، بسبب توافقها مع مسارات التسوية ومُحاربتها خط المقاومة، وبُعدِها عن "الإسلام السياسي"، وقابليّتها لتقديم المزيد من التنازلات.

وعلى سبيل المثال:

.1 تتجاهل قيادة المنظّمة (قيادة السلطة وقيادة فتح) أن الاحتلال الإسرائيلي تجاوز اتفاقات أوسلو، وأن الحكومة الإسرائيلية المُتَطرّفة تُنَفّذ خطّة "الحسم" القاضية بضم القدس وباقي الضفة الغربية، وتفكيك السلطة الفلسطينية إلى كانتونات.

وكان آخر الإجراءات تصويت الكنيست (23 يوليو/ تموز 2025) على مشروع قانون بتطبيق السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية؛ تمهيدًا لضمّها، بأغلبيّة 71 صوتًا مُقابل 13 صوتًا فقط.

ومع ذلك، تُتابع قيادة السلطة "التزاماتها" ودورها الوظيفي في خدمة الاحتلال، من خلال مُلاحَقة المقاومة، والتعاون الأمني مع الاحتلال في إخضاع الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية.

 2. تتجاهل قيادة المنظّمة الاستحقاقات الكبرى التي فَرَضتها معركة طوفان الأقصى، والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وما صاحَبه من مجازر بشعة وتدمير للمدارس والمستشفيات والجامعات والمساجد والكنائس والبنى التحتيّة، ومن حصار وتجويع.. وتُشغِل نفسها بالمُماحكات مع "حماس" وقوى المقاومة.

وكان من النماذج البئيسة دعم أجهزتها الأمنية (من خلال بهاء بعلوشة وفايز أبو هنود) ظاهرة ميليشيا العميل ياسر أبو شباب "القوّات الشعبيّة" التي تعمل تحت إشراف عسكري إسرائيلي، وتقوم بنهب المُساعدات المُقَدّمة لأبناء القطاع، وتُهاجِم قوى المقاومة.

وفي الوقت نفسه، تُشغِل قيادة السلطة نفسها، ليس بمُواجهة الاحتلال، وإنّما في تقديم نفسها بديلًا مَقبولًا للإسرائيليين والأميركان، يُلَبّي اشتراطاتهم ومعاييرهم ليَحلّ مكان "حماس".

3. شكّلت القيادة الفلسطينية حكومة جديدة لسلطة رام الله بقيادة محمد مصطفى (31 مارس/ آذار 2024) في غمرة طوفان الأقصى، وبشكل مُنفرد إقصائي، في الوقت الذي كانت الحاجة فيه ماسّة للتوافق الفلسطيني.

وهكذا، فَوِفقَ هذه القراءة الكارثيّة القاصِرة على المصلحة الذاتية الضيّقة الآنيّة، تُسهم السلطة في مُساعدة الاحتلال الإسرائيلي في حَفر قَبرها (بل وقَبر قضيّة فلسطين) بنفسها!!

هروب إلى الأمام

يبدو قرار الدعوة لانتخابات المجلس الوطني في مضمونه هروبًا من استحقاقات الواقع الفلسطيني، ومن الخريطة الانتخابية التي تعكس الوزن الحقيقي للفصائل والقوى الفلسطينية.

فعلى مدى العامين الماضيين، أظهَرت استطلاعات الرأي تفوّقًا كبيرًا لحركة حماس وتراجعًا واضحًا لحركة فتح، مع مُطالَبة أغلبيّة فلسطينية ساحقة، تبلغ 85- 90%، باستقالة الرئيس عباس، وتَوَقّع هزيمة ساحقة له أمام أيّ من مُرَشّحي حماس أو أمام مروان البرغوثي.

وبالتالي، فإن الذهاب إلى هذا الاستحقاق جاء استجابة لترتيبات فتحاوية داخلية، ولضغوط خارجية، ليَتّسق تركيب المجلس الجديد واللجنة التنفيذية التي ينتخبها، مع مرحلة ما بعد الرئيس عباس، الذي بلغ أكثر من تسعين عامًا (مواليد فبراير/ شباط 1935)، ومع ما قد يترتّب على معركة طوفان الأقصى من التزامات، يسعى الأميركان والمُطَبّعون العرب لإيجاد جهة فلسطينية لإنفاذها.

وكان من اللافت للنظر أن الدعوة للانتخابات تُعطي ثلثي المقاعد للداخل الفلسطيني المُتَمثّل بالضفة والقطاع، بخلاف التوافق الفلسطيني على المُناصفة بين الداخل والخارج.

وهذا ليس فقط مؤشّرًا على تهميش الخارج الفلسطيني الذي تزيد أعداده عن نصف العدد الكلّي للفلسطينيين (بينما تمثّل الضفة والقطاع نحو 37% من الشعب الفلسطيني)، وإنّما هو تكريس لبيئة صناعة القرار الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي؛ وهو الذي حَرصت منظّمة التحرير منذ حرب 1967 وحتى اتفاقات أوسلو 1993 على تجنّبه، حيث لم تكن أصوات الداخل الفلسطيني تُحتَسب ضمن النصاب.

أولويّات المرحلة

في ضوء المَخاطر الوجوديّة التي تشهدها قضية فلسطين، فإن مسألة ترتيب البيت الفلسطيني، بما في ذلك التوافق على قيادة مؤقّتة، تُشرِف على انتخابات جديدة، تؤدّي إلى تشكيل مجلس وطني جديد على قاعدة المُحافَظة على الثوابت، أصبحت "واجب الوقت"، ولا يجوز أن تظلّ لعبة للمُناوَرة وللتذاكي والابتزاز.

ولذا، لا بدّ من التوافق الفلسطيني الذي يقطع الطريق على التدخّل الخارجي فيما يتعلّق باليوم التالي لإدارة قطاع غزة، وبتنفيذ برنامج عمل مُستَعجَل لمُواجهة مَخاطر تهويد المسجد الأقصى والقدس، ومَخاطر الضم والتهجير في الضفة الغربية وقطاع غزة.

كما أن وقف التنسيق الأمني، والتوقّف عن مّطاردَة المقاومة، والإصرار على المُحافظة على سلاح المقاومة، وفك الحصار عن قطاع غزة، وكسر الإرادة الإسرائيلية من خلال إرادة فلسطينية أقوى، كلّها من مُتَطَلّبات المرحلة واستحقاقات إنهاء العدوان على الشعب الفلسطيني، ودَحر الاحتلال الإسرائيلي.

 

2025-07-31 12:26:32 | 90 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية