التصنيفات » مقالات سياسية

فلسطين بين حكم الأنظمة العربية ووجدان شعوبها*

فلسطين بين حكم الأنظمة العربية ووجدان شعوبها*

*الكاتب والمُحَلّل السياسي يحيى دايخ

تستمرّ حروب الإبادة الجماعيّة (عسكريّة، أمنيّة، أخلاقيّة، إنسانيّة،...إلخ) التي يَشنّها كيان الإجرام الإسرائيلي على قطاع غزة، وكذلك حرب التجويع والحصار ومنع دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع، والتي تَرقى إلى تصنيفها بجرائم حرب وفق معايير القانون الدولي وشرعة الأمم المتحدة.

ولو سَلّمنا جدَلاً أن الحكّام العرب،  في مصر، الأردن، ودول الخليج، وغيرهم، باتوا مُطَبّعين وخانِعين ومُنبطِحين  تماماً أمام هذا الكيان الإرهابي، فما بال الشعوب العربية، وبالأخص تلك التي لديها حدود مشتركة مع غزة والضفة (مثل مصر والأردن) لا تتحرّك لفكّ الحصار عن أهل غزة، ولا تُحَرّك ساكناً تجاههم.

بينما في المَقلب الآخر، نرى التظاهرات الحاشدة والغاضبة في أوروبا وأمريكا الشمالية واللاتينية وبعض الدول العربية، مثل اليمن وتونس والجزائر، تهبّ دفاعاً عن مظلوميّة غزة وشعبها وأطفالها!

هذا التناقض بين الذين يُفترَض أنهم أصحاب القضية، من حكّام وشعوب غالبيّة الدول العربية وبين من يُمكن (إذا أرادوا) أن لا تَعنيهم فلسطين ولا شعبها، حيث يَفصلهم عنها قارّات وآلاف الأميال، يَعكس إحباطًا مُشتَركًا لدى كثيرين من غيارى الشعوب العربية.

إذاً، ما هو الفَرق في تحرّك هذه الشعوب؟

واقعاً، يوجد مَساران لتحليل المسألة:

 المسار الأوّل - يرتبط بعدّة عوامل ظاهرية، أهمّها:

1 . القمع السياسي والأمني في غالبيّة الدول العربية بشكل عام،  والحدوديّة بشكل خاص(مثل مصر والأردن)؛ فالنظامان المصري والأردني - كما أنظمة عربية أخرى - يعتمدان القبضة الأمنيّة، ويقمَعان أيّ تحرّك شعبي مُستقِل قد يُفَسّر كتَمرّد على السياسات الرسمية. والكثير من النشطاء في مصر والأردن وبُلدان مُجاورة تعرّضوا للاعتقال أو الترهيب بسبب مواقف مؤيّدة لفلسطين وتحرّرها.

.2 تفتيت الوعي وتخويف الناس:

الأنظمة العربية الحاكمة تُرَوّج بأن أيّ احتجاج أو انخراط بالقضية الفلسطينية هو تهديد للاستقرار الداخلي، أو أنه يخدم "أجندات خارجية". وهذا يخلق خوفاً لدى المواطنين من التظاهر.

3. هيمنة الإعلام الرسمي وتضليل الرأي العام: 

إعلام العديد من هذه الدول إمّا يَتجاهل فظائع غزة، أو يُبَرّرها ضمن ذرائع "الحياد" أو مُحارَبة "الإرهاب"، ممّا يُضعِف التعبئة الشعبية.

4. سيطرة نخب ثقافية وسياسية مُستَزلِمة للسلطة على الفئة النخبويّة  الثقافيّة والسياسيّة الواعية.

5. في المُقابل – حريّة التعبير النسبيّة في الغرب: 

الاحتجاجات الضخمة في أوروبا وأمريكا تَعكس وجود هامش حريّة، ووجود مجتمع مدني فاعل، وإعلام مفتوح، رغم أن حكومات الغرب تدعم دولة الاحتلال الإسرائيلي، سياسيًا وعسكرياً وأمنياً.

 6. استثناءات عربية مُلهِمة:

شاهدنا تحرّكات في تونس، الجزائر، اليمن، وغيرها؛ ولكنّها كانت في بعضها محدودة، خاصّةً في الأردن والمغرب، إمّا بسبب القمع، أو لغياب التنظيم الشعبي القادر على تحويلها إلى ضغط حقيقي.

وبالتالي، إن السكوت ليس دليلاً على اللّامبالاة، بل هو يدلّ غالبًا على الخوف أو العجز. فالشعوب العربية  هي مع فلسطين، لكن البيئة السياسية تمنعها من ترجمة مَواقفها إلى فعل جماعي مؤثّر.

من جهة أخرى، إن عدم اقتناع المُتابِع العربي بتلك العوامل أعلاه، ينبع أصلاً من تلك المشاهد التي تمس جرحاً عميقاً يَتجاوز التبريرات النظريّة.

المسار الثاني - لِنَفحَص المسألة بشكل أدق وأقرب للواقع:

.1  الشعوب العربية ليست خائنة أو لامُبالية، لكنها مُكَبّلة:

- في مصر مثلاً، مُجَرّد رفع عَلَم فلسطين أو التظاهر أمام نقابة الصحفيين قد يؤدّي للاعتقال أو المُلاحَقة. فالشعب المصري الذي فَجّر ثورة ضخمة في 2011 لا تنقصه الجرأة؛ لكن الحصار الأمني والسياسي عليه غير مسبوق.

-في الأردن، حيث الشعب هناك من أكثر الشعوب قُربًا وتفاعلًا مع القضية الفلسطينية، تتحرّك الجماهير مرارًا؛ لكن النظام يضبط الإيقاع بحذَر خوفًا من انفجار داخلي.

 -في دول الخليج، الأنظمة أكثر قمعًا، والمُعارضة العلنية لأي موقف رسمي تُعتبَر خيانة للدولة نفسها؛ وهناك سجن وتشريد لمَن يُعَبّر عن دعمه لفلسطين. .2 في المقابل: لماذا تتحرّك شعوب الغرب؟

- لأنها تمتلك أدوات الضغط (حريّة التظاهر، الإعلام، المجتمع المدني، النقابات، الجامعات).

- لا تُواجِه خطَر الإعدام أو السجن 10 سنوات بتهمة "زعزعة الاستقرار".

- وهناك وعي عالمي مُتزايد بأن ما يحصل في غزة جريمة إنسانية بكلّ ما للكلمة من معنى، وليس مُجَرّد نزاع سياسي.

.3 المسألة ليست ضعف ضمير... بل شلَل مفروض من السلطات الحاكمة.

لو سقطَت الرقابة الأمنيّة وارتفع القمع، لرأيت الملايين في الشوارع من الرّباط إلى بغداد. ففلسطين، وغزة تحديداً، في قلب كلّ بيت عربي؛ لكن بين القلب والفعل حواجز من نار وحديد.

ويبقى السؤال الحقيقي: ليس "لماذا لا يتحرّكون؟" بل "لماذا يُمنَعون من أن يتحرّكوا؟"

وهذا يفتح على تساؤل أكبر: من يخدم هذا القمع؟ ومن يربح من إبقاء الشعوب مشلولة؟ الجواب ستَجده في العلاقة بين العروش والعدو.

وهذا يعني أن المعركة ليست فقط مع الكيان الصهيوني، بل أيضاً مع أنظمة عربية تعمل على تقييد الوعي الجَمعي للشعوب، وتمنع أي فعل جماهيري حقيقي يُمكِن أن يضغط لفكّ الحصار عن غزة أو يدعم المقاومة.

وبالتالي هنا جوهر المُفارَقة: 

حين تتحرّك شعوب الغرب، رغم البُعد الجغرافي والديني، وتُمنَع شعوب الجوار من التحرّك، نُدرِك أن معركة فلسطين ليست فقط مع الاحتلال، بل مع منظومة إقليمية كاملة مُتواطِئة، ترى في المقاومة تهديداً لشرعيّتها الهشّة وحُكمها المُستَنِد الى التبعيّة.

لذا، إن عناصر: الوعي، التنظيم، وكَسر حاجز الخوف، هي مَفاتيح التغيير. والشعوب، رغم القمع، قادرة على أن تُفاجئ من يَخنقها.. كما فعلَت سابقاً.

ويتبَيّن من ذلك أن السبب الجوهري هو غياب الإرادة السياسية والحريّة الشعبية بفعل القمع السّلطوي وتواطؤ الأنظمة مع المشروع الأمريكي - الإسرائيلي، وخضوع الشعوب العربية للواقع المَفروض عليها. وهذا يجعل الشعوب:

1. مُقَيّدة أمنيًا: أيّ تحرّك شعبي لدعم غزة يُواجَه بالقمع والاعتقال(كما في مصر والأردن والخليج).

 .2مُحبَطة ومُفَكّكة: بسبب سنوات من القمع والتشريد والتيئيس والفتن الطائفية والمناطقية.

. 3 مُضَلّلة إعلاميًا: حيث تُرَوّج السلطة أن القضية الفلسطينية ليست أولويّة، أو أن المقاومة تَسَبّبت بالمآسي.

في المُقابل، الشارع الغربي لديه حريّة نسبيّة تسمح له بالتظاهر، ووجود قوى ومنظّمات إنسانية ومدنية وحقوقية مستقلّة عن الدولة تُشارك وتُنَظّم الاحتجاجات.

أما في العالم العربي، فقد تمّ تفريغ المجتمعات من أدوات الفعل، بينما الشعور بالظلم ما يزال كامناً، لكنه مَكبوت.

وعلى افتراض أن حشوداً شعبية مصرية ضخمة خرَجت، ليس بالملايين، إنّما بالآلاف باتجاه معبر رفح، لفرَضت مُعادَلة جديدة، ولأربَكت السلطة المصرية داخليًا ودوليًا، لأن:

 .1الردع العسكري ضدّ شعب أعزل في قضية وجدانيّة كفلسطين، سيكون مُكلِفًا سياسيًا جدًا، وقد يُشعِل اضطرابات داخلية.

 .2النظام المصري يُراهِن على ضبط المزاج الشعبي لا قَمعه المُعلَن، خاصّة في قضايا تمس الرأي العام المصري بشدّة مثل فلسطين.

3. المجتمع الدولي، حتى الغربي منه، لن يستطيع تبرير قمع شعبي سلمي يريد فكّ حصار إنساني، ما يزيد الضغط على النظام.

4. زحفٌ كهذا سيُعيد "الشارع العربي" إلى المُعادَلة، بعد أن تمّ تغييبه بالقمع والتيئيس. وهذا أخطر ما تخشاه الأنظمة.

 لكن ما يمنع ذلك اليوم هو:

- تفتيت الحركة الشعبية وتنظيمها.

- القبضة الأمنيّة القاهِرة لأيّ تحرّك رمزي.

- غياب أفق سياسي شعبي جامع يُنَظّم ويقود هذا الفعل.

بالنتيجة: نعم، الزحف الشعبي إلى رفح قادر على تغيير المُعادَلة. لكن تحقيقه يتطلّب شجاعة تنظيمية وشعبية غير عادية، وكسر حاجز الخوف، والتفاف وطني واسع.

 

الخلاصة العامة

السكوت الشعبي العربي، وخاصّة في الدول المُجاورة لفلسطين، لا يعني الرضا أو التأييد، بل هو نتاج مُنَظّم لقَمع سياسي طويل، وتجريف مُمَنهَج للوعي، وإحباط جماعي مَدروس.

ورغم ذلك، ما تزال فلسطين قضيّة حيّة في الوجدان العربي، لكن التحرّك الفعّال مُعَطّل بسبب:

1 .القمع الأمني العنيف لأيّ مُحاوَلة تعبير شعبي.

2. تفتيت القوى السياسية المُستقلّة أو الوطنية، أو احتوائها.

3.  غياب تنظيم شعبي قادر على إدارة فعل جماهيري مُنَسّق.

4 .سيادة الخطاب الرسمي التطبيعي ومُلاحقَة الأصوات الحرّة.

نرى، في المُقابِل، الشعوب غير العربية (أوروبا، أمريكا اللاتينية، إلخ...) تَتَحرّك بحريّة لأنها لا تُواجِه أنظمتها السياسية في تَحرّكها، بل تُمارِس ضغطًا أخلاقيًا مشروعًا.

النتيجة الجوهرية:

فيما لو تَحَرّرت الشعوب العربية من القمع، وكُسِر حاجز الخوف، لفاضَت مَيادين العالم العربي بمَلايين الزاحفين نحو فلسطين، ولَفرَضوا واقعاً لا تستطيع "إسرائيل" ولا الأنظمة العربية تجاهله.

إنّ الخطَر الحقيقي ليس فقط من "إسرائيل"، بل من نظام عربي رسمي يرى أن الدفاع عن فلسطين خطَر على وجوده هو بالذات.

2025-07-29 12:23:12 | 100 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية