التصنيفات » مقالات سياسية

هل يُغَيّر ترامب قواعد اللعب مع بوتين؟

هل يُغَيّر ترامب قواعد اللعب مع بوتين؟

د. توفيق أكليمندوس

أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية في القاهرة

أعلَن الرئيس ترامب، يوم الاثنين، 14 يوليو 2025، قراره بالسماح لأوروبا بشراء معدّات وذخائر؛ وخصّ بالذكر صواريخ الباتريوت ومنظومات الدفاع الجوّي؛ ليُسَهّل قيام أوروبا بمنح أسلحة لأوكرانيا، إمّا بتسليم فوري لما لديها لأنها ستحصل على بديلة، وإمّا لتسليم ما يتم شراؤه لأوكرانيا. وجاء هذا الإعلان عقب لقاء مع مارك روته، سكرتير عام الناتو. 

في اللقاء نفسه، هَدّد الرئيس ترامب، الرئيس الروسي بإجراءات اقتصادية ما لم يتم التوصّل إلى اتفاق سلام في غضون 50 يوماً؛ ولم يُحَدّد مضمون هذه الإجراءات؛ هل هي عقوبات، أم رسوم جمركية، وهل ستوقَع على روسيا، أم على من يقوم بشراء طاقة روسية؟

ثمّة تسريبات أمريكية غرَضها الأساسي الضغط على روسيا، وربما تُفَسّر حسابات الإدارة الأمريكية. منها على سبيل المثال:

• أن قيمة الإمدادات العسكرية إلى أوكرانيا عبر الناتو تُقَدّر بنحو 10 مليارات دولار.

• أن الإدارة الأمريكية استبعَدت إمداد أوكرانيا بصواريخ (توماهوك).

• أن الرئيس ترامب طالَب الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي، بزيادة الضغط على موسكو وسان بطرسبورغ.

أوّلاً: تقدير الرئيس ترامب للموقف 

من المُتَصوّر- وفقاً للتسريبات السابقة - أن الرئيس ترامب لم يُغَيّر "تقديره للموقف" المُتَمَثّل في:

• أن روسيا عاجلاً أم آجلاً ستنتصر في الحرب ما لم يتم إيقافها؛ لأن اقتصادها أقوى من الاقتصاد الأوكراني، وعدد سكّانها أكبر بكثير، ولأنها ما زالت قادرة على الحشد العسكري. في المُقابل، تُواجِه أوكرانيا صعوبات في هذا المضمار. 

• تتضمّن الرؤية ذاتها أيضاً أن ترامب يرى أن روسيا ما زالت قادرة على تحقيق مزيد من التقدّم على الأرض، وإن كان بطيئاً ومُكلِفاً للغاية.

• أن الاستراتيجية الروسية حالياً هي إرهاق الداخل الأوكراني ومنظومات الدفاع الجوّي، وأن الهجوم الروسي الكبير لم يبدأ بعد، وأنه مُقَرّر في نهاية الصيف أو بدايات الخريف.

يبدو هذا التقدير الرئاسي وجيهاً لدى البعض. لكن من ناحية أخرى، هناك من ينتقده؛ وحجج العديد من مُنتَقديه تنطوي على ارتفاع تكلفة الحرب، لا سيما وأن عدداً من المسؤولين الروس يدقّ ناقوس الخطَر. فالرئيس بوتين لم يُعلِن التعبئة العامّة لأسباب سياسية، ويعتمد في التجنيد على مكافآت مُغرِية باتت تُرهِق الاقتصاد الروسي، أو يعتمد على قوّات كوريّة شماليّة. وإن كانت هناك تقديرات ترى بأن روسيا قادرة على تجنيد (30 ألف جندي مُستَجد في الشهر تقريباً)؛ ومع ذلك، قد لا تكون كافية حالياً لتعويض الخسائر في الأرواح والإصابات على الساحة الأوكرانية. 

https://futureuae.com/media/1_64470ca3-35af-41bc-a636-51fa880ec083.jpg

ثانياً: حدود التغيّر في الموقف الأمريكي 

قرار تسليح أوكرانيا (مع إجبار أوروبا على تمويله) يُمَثّل تطوّراً غير مسبوق في إدارة الملف من قِبَل الرئيس ترامب، وفي السياسات تجاه روسيا؛ ولكنه لا يعكس تغييراً في الهدف الاستراتيجي للإدارة الأمريكية التي تسعى إلى إغلاق الملف الأوكراني، وإلى التطبيع مع روسيا والتعاون الاقتصادي معها؛ خاصّة وأن واشنطن تُطالِب أوروبا بتحمّل الجزء الأكبر من أعباء الدفاع عن نفسها، في الوقت الذي تُخَطّط فيه لتركيز جهدها على آسيا ومنطقة الإندوباسيفيك.

كذلك؛ حَرص الرئيس ترامب على عدم إغلاق الباب أمام الرئيس بوتين، فامتزج المدح والذم في تصريحاته؛ إذ قال إنه لا يَعتبر الرئيس الروسي قاتلاً؛ ولكنّه يراه صلباً للغاية، وأن بوتين خدَع نظراءه الأمريكيين السابقين؛ ولكنّه لن يَخدعه. ومع ذلك، فإن مضمون خطاب ترامب يعكس المؤشّرات التالية:  

• ما زال الرئيس ترامب يُريد إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية؛ ويَعلم أن هذا يقتضي تقديم تنازلات لروسيا. 

• تُفيد التقارير أنه يَشعر بالإحباط الشديد، وربما بالغضب تجاه الرئيس الروسي.

• لدى ترامب إحساس أن الرئيس الروسي خدَعه، وأن هدفه الأساسي كان كسب الوقت، وربما استَخفّ به.  

• يُجمِع المُراقبون على اعتبار أن خَيبَة الأمل تجاه بوتين قد تكون الدافع الأهم في اتخاذ قرار من الجهود الأوروبية للتعامل بإيجابيّة مع شروط ترامب وطلَباته، وإكثار القادة الأوروبيين من المَديح له.

ثالثاً: ردّ الفعل الروسي

يُلاحَظ أوّلاً أن الإعلام الروسي غَيّر من لهجته تجاه الرئيس الأمريكي (في النصف الأوّل من يوليو الجاري 2025)، حيث باتت نَبرة الانتقادات واضحة، وأن الرئيس الروسي لا يُريد أن يبدو وكأنّه يتحرّك تحت تأثير التهديدات؛ لأن في هذا إقراراً ضمنياً بالضعف أمام أنصاره في الداخل وشركائه في الخارج، ولأن سياساته الداخلية والخارجية ترتكز إلى استرداد القوّة وإبرازها وعدم التردّد في استخدامها.

من ناحية أخرى، يستطيع الرئيس الروسي أن يُراهِن على عجز مُحتمَل للولايات المتحدة عن ضمان استدامة إمداد أوكرانيا بالأسلحة، وتحديداً منظومات الدفاع الجويّ وصواريخ باتريوت؛ لأسباب، منها حدود قدرات المصانع الحربية الأمريكية على زيادة الإنتاج، ومنها وجود مسرح آخر مُستَهلِك لهذه المنظومات - الشرق الأوسط - ومنها ضيق الوقت فيما يخص الاستعداد لمُواجهة الصين. 

تؤدّي عوامل أخرى دوراً في ترجيح عدم تراجع العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، منها ضغط الأوضاع الاقتصادية على روسيا، والتي تُشَكّل دافعاً لبَذل أقصى الجهد لحسم المعركة خلال العام الجاري، أو العام التالي. كما أن بوتين يَعتبر إخضاع أوكرانيا هدَفاً رئيسياً، لا يُريد التنازل عنه؛ إضافة إلى أن ترامب أكثَرَ من منح المهل دون أن يكون لعدم التجاوب أيّ أثر؛ فضلاً عن أن حجم التبادل التجاري الروسي - الأمريكي محدود للغاية.

رابعاً: الموقف الأوروبي

رَحّب الرئيس الأوكراني وعدد من القادة الأوروبيين بهذا القرار الأمريكي. ولكن هذا القرار لم يُزِل شكوكهم في السياسة الأمريكية. فاستمرار حروب الشرق الأوسط يؤثّر في قدرة واشنطن على دعم أوكرانيا، من ناحية. وقد يكون من الواضح أن القرار الأمريكي لم يُغَيّر - على الأقل حالياً - من التوجّه الاستراتيجي لمُهادنة روسيا، ولو على حساب دول القارّة، من ناحية أخرى.

كما يبدو جلياً أن القرار صدَر لأن الرئيس الروسي لم يترك خياراً للرئيس الأمريكي، مع رفضه لوقف الحرب وقيامه بالتصعيد في أوكرانيا. ولم ينس الأوكرانيون والأوروبيون أن البنتاغون أوقَف مَدّ أوكرانيا بأنواع مُعَيّنة من الأسلحة في أوائل يوليو 2025، في قرار فاجأ الجميع. صحيح أن التقارير أفادَت أن صاحب القرار هو إلبريدج كولبي (وكيل وزارة الدفاع لشؤون السياسات)، وأن الرئيس الأمريكي فوجئ به؛ ولكن هذا "الفاصل" أسهَم في زيادة الشكوك. وبالإضافة لكلّ ذلك، هناك تساؤلات عن عدد القوّات الأمريكية التي سيتم سَحبها من المسرح الأوروبي (السيناريو الأرجح هو سحب 20 ألف جندي)؛ وهو سيناريو تقبَله أوروبا؛ ولكنها تخشى المُفاجآت.

خامساً: الموقف الصيني

ربما يتعيّن القول إن الصين هي الطرف الحقيقي الذي يملك تأثيراً حقيقياً في روسيا وإن لم يكن مُطلَقاً. فالاستراتيجية الصينية قائمة حالياً على بناء قوّة بحريّة، وعلى إيجاد توافق مع روسيا يضمن استقرار مناطق شرق آسيا والقوقاز، وعلى دعم المجهود الحربي الروسي؛ لأنه يُضعِف الأطراف الغربية ويزيد من التقارب الروسي مع بكين. صحيح أن غزو روسيا لأوكرانيا أغلَق بعض طرق الحرير البريّة، ولكن الصين تعمل على إيجاد طرق بديلة (عبر بحر قزوين والقوقاز).

وفي الأشهر الماضية، اختارت الصين مُواجهَة حازمة وحادّة للتصعيد الأمريكي فيما يُسَمّى الحروب التجارية للرئيس ترامب. باختصار، لا يوجد حالياً ما يُشير إلى جديّة احتمال قيام الصين بمُمارَسة الضغوط على موسكو لإيقاف الحرب؛ ولكن الوضع قد يتغيّر إن كُتِبَ لمشروع قانون غراهام/ بلومانتال المرور بشكله الحالي.

ومن المعروف أن السناتور الجمهوري ليندسي غراهام يقوم منذ فترة بحشد تأييد لمشروع قرار يفرض تسعيرة جمركية مُبالَغاً فيها، تصل إلى 500% على مُنتَجات الدول التي تشتري غازاً أو بترولاً أو يورانيوماً من روسيا، وأهمّها طبعاً الصين والهند. ويَستبعد المُراقبون مُوافقَة الإدارة على مثل هذا المشروع بصورته الحالية.

خلاصة: 

قرار الرئيس الأمريكي حاول أن يُراعي حساسيّات قطاعات هامّة من قاعدته الانتخابية التي ترفض بشدّة "دعم أوروبا" وتَتَبَنّى مَقولات الخطاب الرئاسي حول القارّة الأوروبية باعتبارها "راكب مَجّاني"؛ بينما يُشَدّد ترامب على أن أوروبا ستدفع الفاتورة. ويُلاحَظ أيضاً أن هذا القرار يَطرح سؤال المُوازَنة بين تأثير كولبي المُشَدّد في إعطاء أولويّة مُطلَقة لمسرح الإندوباسيفيك، وبين تأثير المُجَمّع الصناعي العسكري. ومن المُتَصوّر أن قرار الرئيس الأمريكي قد يكون مؤقّتاً بهدف الضغط على الرئيس بوتين، أو التصعيد من أجل التوصّل إلى تسوية في نهاية المطاف. 

2025-07-29 12:18:08 | 75 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية