اتجاهات أردوغان لهندَسة المشهد التركي عبر الأكراد والمُعارضة
رئيس التحرير التنفيذي لكتب المستقبل، ومتخصّص في الشؤون التركية
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدّمة
شهدت تركيا، على مدار الأشهر الأخيرة، تحوّلات مهمّة، يُمكن حصرها في حدَثين رئيسيين، أوّلهما؛ بدء إلقاء عناصر من حزب العمّال الكردستاني أسلحتهم في شمال العراق، في 11 يوليو 2025، استجابةً للدعوة التاريخية التي أطلقَها زعيم الحزب، عبدالله أوجلان، وثانيهما؛ تصعيد السلطات التركية ضغوطها على حزب الشعب الجمهوري المُعارض، والمُستَمرّة منذ أواخر أكتوبر 2024، والحُكم على رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، المَوقوف منذ شهر مارس الماضي، في 16 يوليو الجاري، بالسجن لمدّة سنة وثمانية أشهر بتهمة إهانة وتهديد المُدّعي العام لاسطنبول.
وهذان الحدَثان لا يمكن فصلهما عن بعضهما بعضاً؛ إذ إنهما يَندرجان في إطار مساعي الحكومة التركية لما يُمكن وصفه بـ"إعادة هندسة" المشهد السياسي المُتَشكّل في أعقاب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في مايو 2023 والانتخابات البلدية في مارس 2024.
السلام مع الأكراد:
أُقيمت يوم 11 يوليو الجاري، في بلدة السليمانية بإقليم كردستان العراق، مَراسم رمزيّة لبدء حزب العمّال الكردستاني إلقاء السلاح؛ حيث ألقى نحو 30 رجلاً وامرأة من عناصر الحزب أسلحتهم عند مدخل كهف وتمّ إشعال النار فيها؛ وذلك في إشارة إلى بداية نهاية الصراع المُستمر مع الدولة التركية منذ ثمانينيات القرن الماضي، وخلّف عشرات الآلاف من القتلى. وجاءت هذه الخطوة استجابة للدعوة التاريخية التي أطلقَها زعيم الحزب، عبدالله أوجلان، من سجنه في جزيرة إيميرلي التركية، في فبراير الماضي، لحزب العمّال الكردستاني بإلقاء السلاح وحلّ نفسه. وهي الدعوة التي كَرّرها أوجلان، في 9 يوليو الجاري، في تسجيل مُصَوّر، هو الأوّل له منذ عام 1999، والذي أكّد فيه "انتهاء الكفاح المُسَلّح بشكل طوعي والانتقال إلى المرحلة القانونية والسياسة الديمقراطية"، مُشيراً إلى ضرورة إنشاء آليّة لإلقاء السلاح تُسهِم في تحقيق تقدّم في عملية حلّ التنظيم.
وقد جاء هذا التطوّر التاريخي عقب المبادرة التي أطلقَها زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهشلي، حليف حزب العدالة والتنمية الحاكم، في أكتوبر 2024، للتصالح مع الأكراد؛ وذلك بدعوته زعيم حزب العمّال الكردستاني، أوجلان، للتحدّث في البرلمان وإعلان إنهاء وجود الحزب المحظور في تركيا، وترك السلاح. وهي المُبادَرة التي أيّدها الرئيس التركي، رجب طيّب أردوغان، واعتبرها "فُرصة تاريخية" لإنهاء النزاع الذي تجدّد بين تركيا وحزب العمّال الكردستاني عقب انهيار عملية السلام عام 2015.
ضغوط على المُعارضة:
بالتزامن مع مُبادرة التصالح مع الأكراد، زادت الحكومة التركية، في أواخر أكتوبر 2024، ضغوطها على حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المُعارضة. وحتى مطلع شهر يوليو الجاري، تمّ إلقاء القبض على أكثر من 500 من أعضاء وموظّفي البلديات المُنتَمين للحزب، بينهم 14 رئيس بلدية؛ بتهم فساد. وتركّزت التوقيفات في البلديات الكبرى التي يُديرُها حزب الشعب الجمهوري، مثل إسطنبول، وأزمير، وأضنة، وأديامان، وأنطاليا. وكان إلقاء القبض على رئيس بلديّة إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، المُنافِس الأبرز للرئيس أردوغان، في 19 مارس 2025، أحد أبرز هذه التوقيفات؛ وهو ما أجّج احتجاجات في إسطنبول وعدّة مدن تركية كانت الأكبر منذ عقد.
وجاء القبض على إمام أوغلو بعد يوم واحد من إلغاء جامعة إسطنبول شهادته الجامعية بسبب مُخالفات، وذلك قبل أيام من اختياره مُرَشّحاً عن حزب الشعب الجمهوري في انتخابات الرئاسة 2028؛ حيث تُعَدّ الشهادة الجامعية شرطاً للترشّح لهذه الانتخابات. وفي تَحَدٍّ للسلطات التركية، نَظّم حزب الشعب الجمهوري انتخابات رمزيّة، في 24 مارس الماضي، صَوّت فيها نحو 15 مليون شخص، منهم 13 مليوناً من خارج الحزب، كإشارة تضامن مع إمام أوغلو؛ وأعلَن الحزب في أعقابها رسمياً ترشيح أوغلو في انتخابات الرئاسة 2028، على الرغم من وجوده في السجن.
أهداف أردوغان:
ربما تسعى الحكومة التركية، من هذه الإجراءات، إلى "إعادة هندَسة" المشهد السياسي الراهن الذي تمخّض عن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في مايو 2023؛ حيث حسَم أردوغان هذه الانتخابات الرئاسية في الجولة الثانية. كما تراجع عدد المقاعد البرلمانية لحزب العدالة والتنمية؛ وهو ما تَكرّر في الانتخابات البلدية في مارس 2024؛ والتي تعرّض فيها حزب العدالة والتنمية لأوّل هزيمة في تاريخه منذ وصوله إلى الحكم عام 2002، في مُقابل تزايد شعبيّة حزب الشعب الجمهوري، الذي حصل فيها على أعلى نسبة تصويت منذ عام 1977.
وقد تهدف عملية "إعادة الهندَسة" إلى تعزيز فُرص هيمنة الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية على الحكم، وذلك من خلال ما يلي:
1- تأمين المقاعد البرلمانية اللازمة لإعداد دستور جديد: عَبّر الرئيس أردوغان، في أكثر من مُناسبة، منذ عام 2021، عن رغبته في إعداد دستور جديد لتركيا بدَلاً من الدستور الحالي الذي يَصفه بـ"دستور الانقلابيين"؛ لأنه تمّ إعداده بعد الانقلاب العسكري عام 1980، بالرغم من خضوعه لـ18 تعديلاً منذ ذلك الوقت، كان 10 منها في عهد حُكم حزب العدالة والتنمية. وأعاد أردوغان تأكيد هذه الرغبة، في 19 مايو الماضي، حين قال مُخاطِباً الشباب في أنقرة بمناسبة "يوم أتاتورك للشباب والرياضة": "جميع رفاقنا يعملون حالياً على إعداد دستور جديد؛ وسنُواصل هذا العمل؛ لأن الدستور الحالي تمّ اعتماده عام 1982 ولم يعد يُلَبّي تحدّيات العصر الحديث".
ويسعى أردوغان، في الدستور الجديد، إلى تغيير نظام انتخاب رئيس الجمهورية، بإلغاء شرط حصول المُرَشّح على الأغلبيّة المُطلَقة (50%+1) حتى يفوز بالمنصب، والاكتفاء بفوزه بغالبيّة الأصوات؛ إذ يخشى حزب العدالة والتنمية من تكتّل أحزاب المُعارضة في المستقبل خلف مرَشّح رئاسي واحد في مواجهة مُرَشّح الحزب الحاكم، مثلما فعلَت المُعارضة في انتخابات مايو 2023؛ ما قد يؤدّي إلى خسارته منصب رئيس الجمهورية، الذي يُعَدّ أهم منصب في تركيا منذ التحوّل إلى النظام الرئاسي.
بَيْدَ أن تمرير الدستور الجديد في البرلمان لعَرضه على الاستفتاء الشعبي، يُواجِه تحدّياً؛ إذ يُشترَط، وفق المادة 175 من الدستور، تأييد ثلاثة أخماس إجمالي عدد أعضاء البرلمان (360 نائباً) لمشروع قانون تعديل الدستور لطَرحه على الاستفتاء الشعبي؛ وهو ما يُشَكّل تحدّياً أمام تحالف الشعب الحاكم (أحزاب العدالة والتنمية، والحركة القومية، وهدى بار)؛ حيث يبلغ عدد مقاعده في البرلمان 318 مقعداً؛ ما يَفرض عليه الحصول على دعم أحزاب المُعارضة التي تضع مجموعة من الشروط لدعم إعداد دستور جديد للبلاد، وعلى رأسها: العودة إلى النظام البرلماني القديم، والحفاظ على مبدأ علمانيّة الدولة، ورفض تعديل نسبة الفوز برئاسة الجمهورية.
وهنا يَبرز أحد الأهداف الرئيسية من إعادة إحياء عملية السلام مع الأكراد؛ حيث يسعى الرئيس أردوغان لتأمين عدد المقاعد البرلمانية اللازمة لتعديل الدستور، بالحصول على دعم حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، المؤيّد للأكراد، الذي يمتلك 61 مقعداً في البرلمان، للدستور الجديد؛ ما يؤمّن لأردوغان 379 مقعداً؛ وهو ما يتجاوز عدد المقاعد المطلوبة.
2- تهيئة البيئة القانونية لاحتماليّة ترشح أردوغان لولاية رابعة: يشغل الرئيس أردوغان حالياً ولايته الأخيرة، وفق الدستور الذي يَقصر مُدَد الرئاسة على ولايتين فقط. ومن المُفترَض أن يترك الحكم بحلول عام 2028؛ لكن أردوغان ألمح للمرّة الأولى لإمكانية ترشّحه لولاية رئاسية رابعة، بعد فترة من التكهّنات، خلال اجتماع لحزب العدالة والتنمية، في مدينة شانلي أورفا، في 11 يناير الماضي، حينما سألَه المُغَنّي التركي الشهير إبراهيم تاتليس ما إذا كان يعتزم الترشّح للرئاسة مرّة أخرى، ليَرُدّ عليه أردوغان: "إذا كنتَ أنت مع ذلك، فأنا مع ذلك أيضاً"؛ ليَعقبها بأيام تصريح المتحدّث باسم حزب العدالة والتنمية، عمر تشيليك، عقب اجتماع اللجنة التنفيذية للحزب برئاسة أردوغان، "بأن تمهيد الطريق أمام الرئيس للترشّح لولاية رابعة على جدول أعمالنا"، مُضيفاً: "بصفَتنا داعمين لرئيسنا، سنُفَكّر في صيغة لذلك".
ولكي يتمكّن الرئيس أردوغان من الترشّح لولاية رابعة، هناك طريقتان: الأولى، نجاح عملية إعداد دستور جديد للبلاد؛ ومن ثمّ تصفير مُدَد الرئاسة ليترشّح أردوغان وفق الدستور الجديد، كما حدَث عقب التعديلات الدستورية عام 2017؛ حيث ترشّح أردوغان وفق دستور 2017 لولايتين رئاسيتين جديدتين في 2018 و2023، بخِلاف ولايته الأولى بين 2014 و2018. أما الطريقة الثانية، فهي تبكير موعد الانتخابات وتفعيل المادة 116 من الدستور، التي تنص على أنه "في حال اتّخِذ قرار تجديد الانتخابات من قِبَل الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا (البرلمان) خلال الولاية الثانية لرئيس الجمهورية، يجوز له الترشّح للرئاسة مرّة أخرى"؛ وهو ما قد يلجأ إليه حزب العدالة والتنمية في حال فشل إعداد دستور جديد.
3- منع حزب الشعب الجمهوري من خوض انتخابات الرئاسة 2028: ربما يكون هذا هو هدَف الضغوط الحالية ضدّ الحزب المُعارض، وذلك عبر حرمانه من كوادره الرئيسية والفاعلة في البلديّات الكبرى، وعلى رأسها إسطنبول، التي تُعَدّ أكبر مدن تركيا من حيث عدد السكّان، وبمثابة عاصمتها الاقتصادية، وبما يُمَكّن حزب العدالة والتنمية من تمرير أجندته السياسية وتعزيز حظوظه في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وربما يُعَدّ سجن أكرم إمام أوغلو خطوة لتقليل فُرص حزب الشعب الجمهوري في انتخابات الرئاسة المُقَرّرة عام 2028؛ حيث صعَد نَجم أوغلو في الساحة السياسية عقب نجاحه في الفوز برئاسة بلدية إسطنبول من حزب العدالة والتنمية عام 2019؛ وتزايدت شعبيّته بصورة كبيرة عقب فوزه برئاسة بلدية إسطنبول للمرّة الثانية على التوالي في انتخابات 2024، وبفارق أكبر عن انتخابات 2019، ليَبدأ الحديث في عموم تركيا عن أنه قد يكون المُرَشّح لخلافة الرئيس أردوغان. ويُشَبّه البعض المَسيرة السياسية لإمام أوغلو بمَسيرة أردوغان، الذي بدأ أيضاً مَسيرته من إسطنبول. والجدير بالذكر أنه تمّ طرح اسم إمام أوغلو كمُرَشّح رئاسي توافقي وبارز للمُعارضة في مُواجهة أردوغان، في انتخابات مايو 2023، لولا إصرار زعيم الشعب الجمهوري آنذاك، كمال كليجدار أوغلو، على الترشّح.
4- حرمان المُعارضة من ورَقة الأكراد: منذ انهيار عملية السلام بين الحكومة التركية وحزب العمّال الكردستاني عام 2015، اتّجه الأكراد نحو التنسيق غير المُعلَن مع أحزاب المعارضة، وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري، في الاستحقاقات الانتخابية، سواء رئاسيّة أم تشريعيّة أم بلديّة؛ وهو ما مَكّن الأخير من تحقيق نتائج إيجابية غير مَسبوقة، وإلحاق الهزيمة بحزب العدالة والتنمية في بلديتي أنقرة وإسطنبول، لأوّل مرّة منذ وصوله إلى الحكم عام 2002، ولمَرّتين مُتتاليتين في 2019 و2024؛ حيث سحَب حزب المُساواة وديمقراطية الشعوب، المؤيّد للأكراد، مُرَشّحيه، وطالَب ناخبيه بالتصويت بدَلاً من ذلك لمُرَشّحي الشعب الجمهوري. وقد جعَل هذا الأمر البعض يُطلِق على حزب الأكراد "صانع الملوك"؛ حيث إن موقفه يؤدّي دوراً حاسماً في نتائج الانتخابات؛ وهو ما أدرَكه حزب العدالة والتنمية، الذي يسعى الآن لتأمين أصوات الكتلة الكرديّة لصالحه وحرمان المُعارضة منها.
في الختام، يمكن القول إن نجاح مسعى حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان لـ"إعادة هندَسة" المشهد السياسي في تركيا، ربما يتوقّف على نجاح عملية السلام مع حزب العمّال الكردستاني؛ وهي العملية التي تُواجِه عدّة تحدّيات؛ أبرزها انعدام الثقة بين الجانبين، وعدم وضوح مدى استجابة قواعد الحزب الكردستاني كافّة لدعوة أوجلان؛ إذ إن إنجاز هذا الملف يُعَدّ خطوة مهمّة لتأمين الصوت الكردي لصالح الأجندة السياسية لحزب العدالة والتنمية. أيضاً، يُعَدّ موقف الشارع التركي عاملاً حاسماً في هذا الصّدد؛ فمن المُحتمَل تجدّد الاحتجاجات مرّة أخرى في ظلّ استمرار الضغوط على حزب الشعب الجمهوري المُعارض، ومُواجهة إمام أوغلو سلسلة من القضايا التي يفصل فيها القضاء.
2025-07-28 11:28:43 | 65 قراءة