دَمقرطة الثورة
ديناميكيّات الثراء وسياسات المُساواة في المجتمعات الغربية
عرض: هند سمير
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدّمة
صاغ المفكّر الاقتصادي توماس بيكيتي رؤية مفادها أن التغيّرات في تركيز الثروة لدى أغنى الناس في الاقتصادات المتقدّمة اتّبعت نمَطاً على شكل حرف U خلال القرن الماضي؛ حيث كان مُرتفعاً في البداية، ثم انخفض نتيجةً للكساد الكبير والحرب العالمية الثانية، ثم ارتفع في العقود الأخيرة؛ نتيجةً لتحرير الاقتصاد وتخفيف الضرائب التصاعدية. في المقابل، يُعارض دانيال والدنستروم - أستاذ الاقتصاد بمعهد أبحاث الاقتصاد الصناعي- هذا الرأي في كتابه "أكثر ثراءً ومُساواة.. تاريخ جديد للثروة في الغرب"، مُجادِلاً بأنه بإجراء تحليل أكثر شمولاً يتضمّن بيانات عن مُمتلَكات العقارات وثروات المَعاشات التقاعديّة، ستكون النتيجة مُختلفة.
فقد ارتفعت نسبة الثروة إلى الناتج المحلّي الإجمالي دون انقطاع خلال القرن الماضي، بينما أظهَرت حصّة الثروة التي يمتلكها أولئك الذين يَتربّعون على قمّة توزيع الدخل والثروة انخفاضاً مُطّرداً. وبينما تحتفظ النخب بأصولها بشكلٍ رئيسيٍ في الأسهم والسندات؛ فإن ثروة الجماهير تكمن بشكل رئيسي في مَنازلهم ومَعاشاتهم التقاعدية، والتي أُهمِلت بشكلٍ واضحٍ في التحليلات السابقة؛ إذ نمَت ثروة الطبقة العاملة من المُمتلكات والمَعاشات التقاعدية خلال المئة عام الماضية بوتيرة أسرع من نمو مُمتلكات النخب الرأسمالية.
ولهذا، يصرّ والدنستروم على أن القرن العشرين قد اتّسم بدمقرطة الثروة، وليس بتَفاقم التفاوت. فباستخدام أحدث الأبحاث والبيانات الجديدة، والمُفاجئة أحياناً، يُظهِر أن ما برَز منذ أواخر القرن التاسع عشر هو الارتفاع الهائل في حجم الطبقة الوسطى وحصّتها من إجمالي ثروة المجتمع. وكان التغيير السياسي والمؤسّسي هو مفتاح التقدّم الذي مَكّن المواطنين من الحصول على تعليم أفضل، وتحسين رواتبهم، وتكوين ثروات من خلال الإسكان ومُدّخَرات التقاعد؛ ولكن لا تزال الثروات الطائلة والفقر المُدقع قائمين، مع عدم إغفال حقيقة أن المجتمعات الغربية بصفةٍ خاصّةٍ قد تغيّرت تماماً نحو الأفضل خلال القرن الماضي.
تطوّر تراكم الثروة:
يتحدّى والدنستروم، في الجزء الأوّل من الكتاب، الفكرة السائدة التي ترى أن تراكم الثروة في الغرب كان دائماً محصوراً في أيدي النخب. فمن خلال تحليل بيانات جديدة، يُظهِر أن الفترات التي شهدت نمواً اقتصادياً كانت مَصحوبة بتوسيع قاعدة مالكي الثروة، خاصّة بين الطبقة الوسطى؛ ثم يستعرض كيف تغيّرت مصادر الثروة عبر الزمن من كون الأرض هي المصدر الرئيسي للثروة؛ ممّا جعَل النبلاء وملّاك الأراضي هم الأكثر ثراءً في العصور الوسطى (قبل القرن الـ16)، مروراً بظهور طبقة تجارية جديدة بثروات كبيرة من التجارة عبر المُحيطات في عصر النهضة والاستعمار، ثم الانتقال إلى الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر؛ حيث أدّى ظهور المصانع إلى جَعل أصحاب رؤوس الأموال الصناعيين أكثر ثَراءً.
وفي النصف الأوّل من القرن العشرين، أدّى الكساد الكبير والحربان العالميّتان إلى تقليل التفاوت وتحقيق المُساومة النسبية نتيجة فرض الضرائب التصاعدية على الأثرياء، واستثمار الحكومات الأوروبية في التعليم والصحّة؛ ممّا ساعد على تقليل الفجوة بين الطبقات، ثمّ ظهور الأصول الماليّة، مثل الأسهم والسندات، كوسائل رئيسية لتراكم الثروة في القرن العشرين، انتقالاً إلى وقتنا الحاضر؛ حيث تزايدت أهميّة المَعاشات التقاعدية وملكيّة المنازل كأدواتٍ لتأمين الاستقرار المالي للأُسَر؛ ومن ثمَّ يمكن القول إن تراكم الثروة في الغرب لم يكن حِكراً على النخب، بل كان نتيجة لتفاعلات مُعَقّدة بين السياسات العامة، والتحوّلات الاقتصادية، والتغيّرات الاجتماعية.
ويَسرد الكاتب كيف تغيّرت مُكَوّنات الثروة في المجتمعات الغربية خلال القرن العشرين. ففي بداية القرن، كانت الثروة تتمثّل بشكل رئيسي في الأراضي والعقارات الزراعية، بالإضافة إلى الأصول الصناعية. ومع تقدّم الزمن، بدأت الثروة تأخذ أشكالاً جديدة، مثل ملكيّة المنازل، والتي أصبحت تُمَثّل جزءاً كبيراً من ثروة الأُسَر، خاصّة مع تسهيل الحصول على القروض العقارية، والمَعاشات التقاعديّة التي ظهَرت كأحد أهم أشكال الادّخار طويل الأجَل؛ ممّا ساعد الأفراد على تأمين مُستقبلهم المالي؛ فَضلاً عن الأصول المالية مثل الأسهم والسندات، والتي أصبحت مُتاحة لشرائح أوسع من المجتمع.
ويُشير المؤلّف إلى أن التحوّلات في طبيعة الثروة لم تكن عشوائيّة، بل كانت نتيجة لتغيّرات سياسية ومؤسسيّة، من أبرزها التوسّع في التعليم، والذي أدّى إلى رفع مستوى الوعي المالي وتمكين الأفراد من اتخاذ قرارات استثمارية أفضل، وتحسين قوانين العمل، مثل تقليل ساعات العمل وزيادة الأجور؛ ممّا أتاح للأفراد فُرَصاً أكبر للادّخار والاستثمار، بالإضافة إلى توسيع نطاق التأمينات الاجتماعية، مثل التأمين الصحّي والتقاعدي؛ ممّا وَفَّر شبكة أمان مالي للأفراد. كما أدّت التغيّرات في التركيبة السكانيّة، مثل زيادة مُتوسّط العمر وتحسين الرعاية الصحيّة، إلى التأثير في أنماط الادّخار والاستثمار؛ ممّا أسهم في تراكم الثروة على مدى فترات أطوَل.
التفاوتات في الثروة:
يُقَدّم والدنستروم في الجزء الثاني من الكتاب تحليلاً مُفَصّلاً لأهم ظاهرة اقتصادية في القرن العشرين، وهي التقارب الكبير في توزيع الثروة بين 1914 و1975؛ حيث يُبرِز كيف تحوّلت المجتمعات الغربية من مستويات غير مَسبوقة من عدم المُساواة إلى فترات من التوزيع الأكثر عدالة للثروة؛ ثم يستعرض العوامل التي أدّت إلى هذا التحوّل الجذري.
هنا، يُسلّط الكاتب الضوء على التحوّل الكبير في توزيع الثروة الذي شهدته المجتمعات الغربية خلال القرن العشرين. ففي بداية القرن، كانت الثروة مُرَكّزة بشكل كبير في أيدي النخبة؛ حيث كان 1% من السكّان يمتلكون نحو 50% من الثروة الخاصّة. ولكن بحلول السبعينيات، انخفضت هذه النسبة إلى نحو 20%؛ ممّا يُشير إلى حدوث تَساوٍ كبيرٍ في الثروة خلال هذه الفترة. ومن أبرز العوامل التي أسهَمت في هذا التحوّل:
o العوامل العالمية، والتي تضمّنت الحربين العالميّتين وما صاحَبهما من تدمير رأس المال المادّي وارتفاع الضرائب لتمويل الحرب، والكساد الكبير الذي أدّى إلى انهيار القيمة الحقيقية للأصول.
o التحوّلات السياسية المؤسسيّة، مثل توسيع نطاق التعليم، وتوفير خدمات صحيّة مجّانيّة، وتحسين ظروف العمل وزيادة الأجور، ووضع أنظمة تقاعد شاملة، وفرض ضرائب على الدخل تصل إلى 90% في بعض الدول؛ بالإضافة إلى الضرائب على الميراث.
O التحولات الاقتصادية، وتضمّنت ارتفاع الأجور مع زيادة الإنتاجية، وتوفير فرص عمل جيّدة للطبقة المُتوسطة، وتوزيع عوائد التكنولوجيا على نطاق أوسع، وتوفير فُرص الادّخار والاستثمار للطبقات الوسطى والدنيا، ونموّ ملكيّة المنازل والمَعاشات التقاعدية؛ حيث أصبحت هذه الأصول مُتاحة لشرائح أوسع من المجتمع؛ ممّا ساعد على توزيع الثروة بشكل أكثر توازناً.
ولعلّ أهم التحوّلات التي شهِدها القرن العشرون هي اختلاف مسارات توزيع الثروة بين أوروبا والولايات المتحدة بعد عام 1980؛ حيث شهدت أوروبا استمرار توزيع الثروة بالتساوي، مع استقرار حصّة أغنى 1% عند مستويات منخفضة تاريخياً. أما الولايات المتحدة، فشهدت زيادة في تركيز الثروة، حيث ارتفعت حصّة أغنى 1% إلى ما بين 35% و40%؛ وهو أعلى من مُستويات ما قبل الحرب.
أثر الثروات المَخفيّة:
يُشير مفهوم "الثروة الخفيّة" - أحد أخطَر أشكال التفاوت الاقتصادي في عصرنا - إلى الأصول المالية التي يحتفظ بها الأفراد في ملاذات ضريبية خارجية بهدف التهرّب من الضرائب أو الحفاظ على السريّة. وتُقَدّر هذه الثروة بنحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مع تفاوت كبير بين الدول. فعلى سبيل المثال، تمتلك الدول الإسكندنافية نسبة مُنخفضة من هذه الثروة، بينما تصل النسبة في بعض دول أمريكا اللاتينية إلى 60%. وتخسر الدول الفقيرة والنامية 200 مليار دولار سنوياً بسبب هذه المُمارسات، إضافة إلى فقدان ما يُعادل 150% من ميزانيّاتها الصحيّة سنوياً.
يُشير والدنستروم إلى أن الثروة الخفيّة تُسهم بشكل كبير في تعميق فجوة عدم المُساواة في الثروة. فالأفراد الأثرياء الذين يملكون القدرة على نقل أصولهم إلى ملاذات ضريبيّة يتمكّنون من تقليل التزاماتهم الضريبية؛ ممّا يزيد من تركيز الثروة في أيدي القلّة. وهذا التهرّب الضريبي يؤدّي إلى تقليل الإيرادات الحكومية؛ ممّا يحد من قدرة الحكومات على تمويل الخدمات العامّة التي تفيد الطبقات المتوسّطة والدنيا.
ومن المُبادرات الدولية التي تهدف إلى مُكافحة الثروة الخفيّة، تبادل المعلومات المالية بين الدول وتعزيز الشفافية في النظام المالي العالمي. إلّا أنه رغم هذه الجهود، لا تزال هناك تحدّيات كبيرة، بما في ذلك مُقاومة بعض الدول للإصلاحات واستمرار وجود ملاذات ضريبيّة تُوَفّر السريّة الماليّة. ويؤكّد الكاتب أن مُعالجة مشكلة الثروة الخفيّة ضروريّة لتحقيق توزيع أكثر عدالة للثروة. ويُمكن أن تُسهم السياسات، التي تُرَكّز على تعزيز الشفافيّة الماليّة وتضييق الفَجوات القانونية التي تسمح بالتهرّب الضريبي، في تقليل عدم المُساواة وتعزيز العدالة الاقتصادية.
ثروة القطاع العام:
يَستعرض والدنستروم دور ثروة القطاع العام كمُكَوّن أساسي في الاقتصاد الوطني، والتي تشمل الأصول الحكومية مثل البنية التحتيّة (طُرُق، جسور، مَرافق عامّة)، المُمتلكات الحكومية (مَبانٍ، أراضٍ)، الاستثمارات الحكومية (أسهم، سَندات، مشاريع)، الاحتياطيات المالية والذهب. ويُوضِح كيف أن هذه الثروة تشكّل جزءاً لا يتجزّأ من الثروة الوطنية، وتؤثّر بشكل مباشر في رفاهيّة المواطنين.
يَتتبّع الكاتب تطوّر ثروة القطاع العام عبر الزمن في الدول الغربية، موضِحاً كيف شهدت معظم الدول تَوَسّعاً في استثمارات القطاع العام لدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي بعد الحرب العالمية الثانية. في بعض الفترات، خاصّة خلال مَوجات الخصخصة في أواخر القرن العشرين، انخفضت نسبة الأصول المَملوكة للقطاع العام لصالح القطاع الخاص. كما أشار إلى وجود تفاوت كبير بين الدول في حجم ونوعيّة أصول القطاع العام.
وتؤدّي ثروة القطاع العام دوراً مُهِماً في تقليل التفاوت الاقتصادي من خلال: توفير الخدمات الأساسيّة، مثل التعليم والرعاية الصحيّة؛ ممّا يَدعم الطبقات الوسطى والدنيا، والمُساهمة في استقرار الاقتصاد من خلال الاستثمارات الحكومية التي تُوَلّد فُرص عمل وتُنَمّي البنية التحتيّة، وإعادة توزيع الدّخل من خلال الضرائب والإنفاق الاجتماعي. إلّا أن هناك تحدّيات قد تُواجه إدارة واستدامة ثروة القطاع العام، مثل الضغوط السياسية، التي تؤثّر في القرارات الاستثمارية للقطاع العام، وأعباء الدّين الحكومي التي قد تُقَيّد قدرة الحكومة على الاستثمار؛ وأخيراً ضرورة تحديث وصيانة الأصول الحكومية لضمان استمرارية خدماتها. وفي النهاية، يؤكّد الكاتب أن ثروة القطاع العام ليست مُجَرّد أصول ماديّة، بل هي أداة استراتيجية لتعزيز العدالة الاقتصادية والتنمية المُستدامة. ويُشَدّد على ضرورة إدارة هذه الثروة بحِكمة لضمان استفادة المجتمع بأكمله، خاصّة الطبقات الأقلّ قدرة.
الميراث وتوزيع الثروات:
يتناول الكتاب دور الميراث كعنصر أساسي في توزيع الثروة عبر الأجيال، إضافة إلى دوره في تعميق الفجوة الاقتصادية؛ إذ تُعَدّ الثروة المَوروثة من الأصول، مثل العقارات والاستثمارات، من أهم الطرق التي تُسهم في تراكم الثروة داخل العائلات واستمراريّتها. ويوضِّح المؤلّف أن التوريث يؤدّي دوراً مركزياً في تكريس الفوارق الاقتصادية بين الأفراد. فالعائلات التي ترِث ثروات كبيرة تُحافِظ على مَكانتها الاقتصادية، بينما تُواجه الطبقات الدنيا صعوبة في الارتقاء اقتصادياً بسبب محدوديّة الأصول التي يُمكن توريثها. ويستعرض والدنستروم كيف تَغَيّر دور الميراث في توزيع الثروة مع مرور الزمن:
• في القرون الماضية، كان الميراث هو المصدَر الأساسي للثروة واحتكاره في يد عدد قليل من العائلات الثريّة.
• في القرن العشرين، بسبب التغيّرات الاقتصادية والسياسية؛ تراجعت أهمية الميراث مؤقّتاً مع توسّع ملكيّة الأصول بين الطبقات الوسطى.
• مع عودة تركيز الثروة في العقود الأخيرة، عاد الميراث ليكون عاملاً مُهِماً في تعزيز عدم المساواة.
ومن الحقائق الصادمة عن واقع الميراث اليوم في أوروبا، أن 55 إلى 60% من إجمالي الثروة مَوروثة؛ وفي الولايات المتحدة 35 إلى 45% من الثروات مَوروثة؛ أما اليابان، فتُسَجّل أعلى النسب (65%) بسبب التركيبة المُجتمعيّة. ويقترح الكاتب عدداً من الحلول لكسر هذه الحلقة المُفرَغة، منها على سبيل المثال، تطبيق إصلاحات ضريبيّة جذريّة، وإدخال إصلاحات تشريعية كتحديد سقف للميراث وتعزيز حقوق الأقارب غير المُباشرين، بالإضافة إلى الإصلاحات المؤسسيّة. ويُحَذّر الكتاب من أن المجتمعات التي تسمح بتحوّل الثروة إلى إقطاعيات عائلية دائمة تخلق أرستقراطية جديدة أخطَر من القديمة؛ لأنها تَتخفّى وراء شعارات الاستحقاق.
يَختتم والدنستروم كتابه بتقديم إطار تحليلي مُتكامل لفهم ديناميكيّات الثروة، يُتبِعه بتوصيات سياسية مَلموسة لمواجهة تحدّيات عدم المساواة المُعاصِرة؛ مؤكّداً أن تاريخ الثروة في الغرب هو تاريخ مُعَقّد ومُتَغَيّر، يتميّز بتفاعل مُستمرّ بين الاقتصاد والسياسة والاجتماع، ويتطلّب تعاوناً دولياً ومجهوداً جماعياً لتحقيق توزيع ثروة أكثر مُساواة.
المصدر:
Daniel Waldenström, "Richer and More Equal…A New History of Wealth in the West", Polity Press, 2024.
2025-07-24 10:36:06 | 75 قراءة