فورين أفيرز: الجيوسياسة في عصر الذكاء الاصطناعي
موقع الخنادق
28/1/2026
أعَدّ جيك سوليفان وتال فيلدمان، مَقالاً نَشَرَهُ موقع مجلة "فورين أفيرز" وتَرْجَمَهُ موقع الخنادق الإلكتروني، تَناوَلا فيه موضوع الاستراتيجيّة والقوّة لأمريكا، في مستقبل ذكاء اصطناعي
غير يَقيني. ووفْقاً لهما، فإنّ هنالك 8 سيناريوهات حول هذا الموضوع، كلّ سيناريو منها يؤثّر على المَزايا العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية الأمريكية بالمُقارَنة مع الصين؛ وكلّها تُعالِج إشكاليّة كيفيّة ضمان بقاء سيطرة أمريكا على هذه التقنيّة عالمياً.
ويُشار إلى أنّ جيك سوليفان هو مُستَشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، والذي تَوَلّى منصبه من عام 2021 إلى عام 2025. أمّا تال فيلدمان، فقد سَبَقَ له العمل في بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي في الحكومة الأمريكيّة.
النصّ المُتَرْجَم:
لكلّ شخصٍ نظريّته حول الذكاء الاصطناعي. فبَعضُهُم يعتَقد أنّ هذه التكنولوجيا تتقدّم نحو الذكاء الفائق - ذكاء اصطناعي بالِغ القوّة سيُحْدِث تحوّلات حقبيّة تَتجاوز أيّ تكنولوجيا سابقة. ويرى آخرون أنّها ستُعَزّز الإنتاجيّة والاكتشاف العِلمي، لكنها ستَسلُك مسارًا أكثر تَذبْذبًا، وربما أقلّ دراميّة.
ويَختلف الناس أيضًا حول مدى سهولة تكرار الاختراقات. فهناك من يُجادِل بأنّ الخصوم سيَلحَقون بسرعة (أي يُقَلّدون بسرعة)، بينما يرى آخرون أنّ اللّحاق سيُصبِح أبطَأ وأكثر كلْفة، ما يمنَح الروّاد الأوائل أفضليّة مُستَدامَة. وبينما يوقِن كثيرون بأنّ الصين مُصَمّمة على هزيمة الولايات المتحدة الأمريكية عند حدود الرّيادة، يُصِرّ آخرون على أنّ تركيزها مُنْصَبٌ على نَشْر التكنولوجيا القائمة، مع السعي لاستخلاص الابتكارات الأمريكيّة المتقدّمة وإعادة إنتاجها عند ظهورها.
كلّ حُجّة سياسيّة واثقة تَستَنِد إلى افتراضات خَفِيّة حول أيّ من هذه الروايات صحيح. فمَن يُعطي الأولويّة للابتكار عند الحدود يَفتَرض أنّ الاختراقات ستَتَراكَم ويَصعُب تقليدها، في حين يَفتَرض مَن يُرَكّز على نَشْر الأنظمة الأمريكيّة في الخارج عكس ذلك غالبًا. وإذا كانت تلك الافتراضات خاطئة، فإنّ الاستراتيجيّات المَبْنِيّة عليها ستُهْدِر المَوارِد وقد تُكَلّف الولايات المتحدة صَدارَتَها.
المُراهَنَة على رواية واحدة مُغرِيَة لكنها خَطِرَة. واشنطن لا تحتاج إلى تَنَبّؤ جديد حول عصر الذكاء الاصطناعي؛ بل تحتاج إلى طريقة لاتّخاذ القرارات في ظلّ عدم اليقين - طريقة تؤمّن تَفَوّق الولايات المتحدة عبر عدّة مُستَقبَلات مُحتَمَلَة، وتتكيّف مع تبلور مَلامِح عصر الذكاء الاصطناعي.
ثمانية عَوالِم
مهما كان شكل مُستَقبَل الذكاء الاصطناعي في النهاية، ينبغي أن تَنطَلِق الاستراتيجيّة الأمريكيّة من تعريف واضح للنجاح. على واشنطن استخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز الأمن القومي، والازدهار واسع القاعدة، والقِيَم الديمقراطيّة في الداخل وبين الحُلفاء. وعندما يُواءَم الذكاء الاصطناعي مع الصالح العام، يُمكِنه دفع التقدّم العِلمي والتكنولوجي لتحسين الحياة، والمساعدة في مُعالَجَة تحدّيات عالميّة، كالصحّة العامّة والتنمية وتَغَيّر المناخ، والحفاظ على المزايا العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية الأمريكية وتوسيعها قِياسًا بالصين. ويُمكِن للولايات المتحدة أن تفعل ذلك مع إدارة مسؤولة للمَخاطِر الحقيقيّة التي يَخلقها الذكاء الاصطناعي.
التحدّي هو كيف نَصِل إلى هناك. ولجَعْل الافتراضات الخفيّة صريحة واختبار الاستراتيجيّات عبر مُستَقبَلات مختلفة، ينبغي لِمَن يُفَكّر في استراتيجيّة الذكاء الاصطناعي أن يَنظر في إطارٍ بسيطٍ يقوم على ثلاثة أسئلة:
هل سيَتَسارَع تقدّم الذكاء الاصطناعي نحو الذكاء الفائق أم سيَستَقِرّ لفترة طويلة؟
هل ستكون الاختراقات سهلة النّسْخ أم سيُصبِح اللّحاق بها صعبًا ومُكلِفًا؟
وهل تُسابِق الصين حقًا نحو الرّيادة، أم تُوَجّه مَوارِدَها إلى مجالات أخرى على افتراض أنّ بإمكانها التقليد والتسليع لاحقًا؟
لكلّ سؤال إجابتان مُحتَمَلَتان. وبالنّظَر إلى جميع التركيبات المُمكِنَة، نَحصل على مَصفوفَة ثُلاثيّة الأبعاد - مُخَطّط 2×2×2-يُنتِج ثمانية عَوالِم مُحتمَلة.
المحور الأوّل: طبيعة التقدّم
في أحَد الطّرَفَيْن يَقْبَع الذكاء الفائق: ذكاءٌ يتجاوز البشر بكثير، قادرٌ على التحسين الذاتي التكراري، يُعَلّم نفسه ليَزداد ذكاءً ويَبتكر المزيد باستمرار. وفي الطّرَف الآخر يَقبَع ذكاءٌ محدودٌ ومُتَعَرّج: تطبيقات عِلميّة واقتصاديّة وعسكريّة مُبْهِرَة، لكنها ليست قطيعة فريدة مع التاريخ. هو محدودٌ لأنّ تقدّمه يصطدم في نهاية المطاف بحدود - على الأقلّ لفترة. وهو مُتَعَرّج لأنه غير مُتَساوٍ؛ قد تَبلغ الأنظمة أداءً خارقًا في مجالات كالرّياضيات أو البَرْمَجَة، لكنها تتعثّر في الحُكم السليم أو الإبداع أو بعض التطبيقات الفيزيائيّة. إذا قادَ التقدّم إلى الذكاء الفائق، فقد يكون التفوّق الضيّق حاسمًا، ما يُبَرّر استثمارات ضخمة عند الحدود. أمّا إذا كان مَحدودًا ومُتَعَرّجًا، فسيَكون توجيه مَوارِد غير محدودة إلى "مشاريع قَمَرِيّة" أقلّ إقناعًا من إعطاء الأولويّة للتبنّي والانتشار.
المحور الثاني: سهولة اللّحاق (مشكلة الاتّباع السريع)
في عالَمٍ ما، يكون اللّحاق سهلًا. يمكن نَسْخ الاختراقات بسرعة عبر التجسّس، أو تسريب الأوزان (أي سرقة أو نشر المُعامَلات الداخليّة للنموذج المُدَرّب)، أو التدريب المُبْتَكَر على عتادٍ أقدَم، أو تقطير النماذج حيث يُدَرَّب نظام أضعَف على مُحاكاة آخر أكثر تقدّمًا.
وفي عالَمٍ آخر، يكون اللحاق صعبًا: تَعتَمِد القُدُرات عند الحدود على الرّزمة التكنولوجيّة كاملة - عتادٍ مَملوك، خبرة مؤسسيّة، مجموعات بيانات هائلة وفريدة غالبًا، منظومة مَواهِب نابضة، وعوامل بنيويّة لا يمكن استباقها. قد يَسهُل نَسْخ طبَقة البرمجيّات، لكن جودة العتاد والبنية التحتيّة ورأس المال البشَريّ خَلْف التدريب والاستدلال قد تكون أصعب بكثير في الاستنساخ. عندما يكون اللّحاق سهلًا، تدور المُنافَسَة أكثر حول الانتشار - زَرْع الأنظمة الأمريكية في الخارج قبل أن ينشر الخصوم أنظمتهم. وعندما يكون صعبًا، يبقى الانتشار مهمًا، لكن الاستراتيجيّة تُرَكّز أكثر على حماية أُسُس القُدرَة عند الحدود-المُدخَلات والمعرفة التي تَسمَح بتَراكُم التقدّم بمرور الوقت. وعلى امتداد هذا المحور، السؤال ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيَنتَشر، بل مدى السرعة، ولِمَن، وبأيّ شروط.
المحور الثالث: استراتيجيّة الصين
ففي أحَد طَرَفَي النقيض، تتسابق بكين بقوّة نحو آفاق جديدة، مُمَوِّلَة برامج تدريبيّة ضخمة ومُختَبرات مُنافِسَة. وفي الطرَف الآخر، لا تتسابق بكين، بل تُعطي الأولويّة للتبنّي والنشر، وتُنتِج بين الحين والآخر نماذج كبيرة للإشارة إلى التقدّم وحثّ الولايات المتحدة على التركيز على هذه الآفاق. قد لا تَمْتَلِك الصين خطّة وطنيّة مُتَماسِكَة تمامًا - بل قد تتصرّف مؤسّساتها المختلفة داخل البلاد بشكل مختلف - ولكن على مستوى النظام، سيَظلّ سلوك الصين أقرَب إلى التسابق أو عدم التسابق. يُرَكّز هذا البُعد من الإطار على الصين لأنها، في الوقت الراهن، المُنافِس المُهَيمِن للولايات المتحدة في هذه الآفاق. وإذا ظهَرت جهات فاعلة أخرى، فسَيتَعيّن تعديل المصفوفة لتعكس حساباتها التنافسيّة أيضًا.
الواقع، بالطّبع، أعقَد من أيّ مُخَطّط. يُمكِن إضافة محاور أخرى، ويُمكِن التعامل مع كلّ محور كطَيْف. قد تَتّبِع الصين مَسارًا وسَطًا في البحث والتطوير عند الحدود. وقد يكون اللّحاق صعبًا إلى حدٍّ ما فقط. وقد يكون الذكاء الاصطناعي قويًا فعلًا مع بقاء قُيود. ورغم أنّ التفكير الثنائي يُسَهّل التخطيط الاستراتيجي، يستطيع صانعو السياسات مُراعاة الاحتمالات الوسَطيّة بالتفكير الاحتماليّ على كلّ محور. فاستراتيجيّة استثمار صينيّة جزئيّة، مثلًا، تزيد احتمالات أن تَلحَق بكين بالولايات المتحدة بفارق ضئيل، أو حتى أن تُغلِق الفجوة على نحوٍ غير مُتَوَقّع.
وأخيرًا، يُمكِن لقرارات صانعي السياسات أنفسهم أن تُسهِم-ولو على الهوامش-في تشكيل أيّ مُستَقبَل سيَظهَر. فالإجراءات الأمريكية قد تجعل اللّحاق أصعب أو أسهل، لا سيما عبر تشديد أو تخفيف ضوابط التصدير. كما سيَتَوَقّف سباق الصين أو تَرَيّثها جزئيًا على تقدير بكين لوتيرة التقدّم وصعوبة اللّحاق. ومع ذلك، فإنّ إدخال عدم اليقين في إطار السياسات سيُجبِر صانعي القرار على مُواجَهَة افتراضاتهم والتخطيط لعدّة مُستَقبَلات بدَلًا من واحد.
مصادر قوّة الذكاء الاصطناعي
قبل الانتقال إلى التمرين التخطيطي، يَجدُر التوقّف عند سؤالَيْن: من يضَع فعليًا استراتيجيّة الذكاء الاصطناعي الأمريكيّة؟ وما الأدَوات التي تملكها واشنطن لتشكيل مَسارِه؟ فالحكومة لا تملك المُختبَرات الرّائدة ولا تُقَرّر ما الذي تَبنيه، ولا تستطيع تحديد أهداف الإنتاج أو توجيه تدفّقات الاستثمار كما تفعل بكين. ومع ذلك، تؤثّر خيارات واشنطن السياسيّة وإشاراتها بقوّة في منظومة الذكاء الاصطناعي، حتى وإنْ كان ذلك بصورة غير مُباشرة.
كثيرٌ من السياسات الأمريكيّة تُشَكّل دعمًا ضمنيًا للصناعة المحليّة. فقُيود التصدير والاستثمار حَدّت من وصول الصين إلى الرّقائق المتقدّمة ورأس المال الأمريكي، ورَفَعَت قيمة الشركات الأمريكية والحليفة عبر كَبْح أقوى المُنافِسين وتوجيه رأس المال الخاصّ نحوها.
وتُضَخّم التوقّعات هذا الأثَر. فعندما يصِف كبار المسؤولين ريادة الذكاء الاصطناعي كأولويّة وطنية، تتوقّع الشركات والمُستَثمِرون قواعد مُواتية، وتبسيطًا إداريًا، وتنسيقًا أوثق مع الحكومة. تؤثّر هذه الافتراضات على حجم المَخاطِر التي تتحمّلها الشركات، وعلى وجهة استثمارات المُستَثمِرين، وربما أكثر من تأثير اعتماد الكونغرس البطيء.
ويُكمِل الدعْم المُباشر هذه الإشارات: حوافز ضريبيّة للبحث والتطوير، استثمارات في البنية التحتيّة، منَح بحثيّة فدراليّة، وقرارات تنفيذيّة بشأن التراخيص والهجرة وغيرها - كلّها تؤثّر جماعيًا في مكان نموّ قُدُرات الذكاء الاصطناعي وكيفيّته.
وفي الوقت نفسه، أصبحت المُشتَرَيات والشراكات الفيدراليّة مؤشّرًا هامًا للطلَب بحّد ذاتها، مع بدء الوكالات باختبار أنظمة الذكاء الاصطناعي واعتمادها على نطاق واسع. وإذا أصبح الانتشار بنفس الأهميّة الاستراتيجيّة للاختراقات الرّائدة، فقد تحتاج واشنطن إلى استخدام المزيد من الأدوات المُتاحَة لها، من خلال تقديم بديل موثوق لشركائها عن منظومة الذكاء الاصطناعي الصينيّة، والعمل من خلال مؤسّسات، مثل مؤسّسة تمويل التنمية، لتمويل النشر في الخارج في أماكن لا يُغَطّيها السوق وحده. ويشمل ذلك أيضًا التفكير في مدى انفتاح أو انغلاق أنظمة الذكاء الاصطناعي الأمريكية. ويتعيّن على الولايات المتحدة أن تُقَرّر ما إذا كانت ستعتمد على نماذج احتكاريّة مُحكَمة التحكّم، أو ستُشَجّع البدائل مفتوحة المصدر كوسيلة لتشكيل التبنّي العالمي.
مع ذلك، يظلّ القطاع الخاصّ مُحَرّك هذا السباق، وحَوافِزه لا تتطابق دائمًا مع المصلحة الوطنية. فعديدٌ من المُختبَرات الرّائدة تُراهِن على الذكاء الفائق، وتُغرِق مَوارِدَها في تدريبات ضخمة بدَل النشْر الآمِن أو الانتشار الواسع. وبعضها يُفَضّل بناء وتشغيل بنى التدريب الكبرى في الخارج، حيث القواعد ألْيَن والطاقة أرْخَص ورأس المال أوْفَر. وستَظلّ إدارة هذا التوتّر من أعقَد مهام واشنطن.
لم تَكُن قوّة الولايات المتحدة يومًا في التخطيط المركزي، بل في نَشْر مزيج من الأدَوات لتوجيه نظام لا مركزي نحو أهداف مشتركة: تخلق حَوافِز سياساتيّة، تُشَكّل توقّعات، وتَستَدرِج رأس المال إلى الغاية الوطنية. وكيفيّة استخدام هذه الأدَوات للحفاظ على الرّيادة تعتمد على أيّ مُستَقبَل سيَتَحَقّق. فبعض السياسات المنطقيّة في سيناريو قد تكون عكسيّة في آخر. لكن ثمّة أولويّات ستبقى عبر معظمها-عناصر أساسيّة للقوّة الوطنية ستحتاجها غالبيّة نسَخ مُستقبل الذكاء الاصطناعي، حتى لو اختلف وَزْنُها النسبي من عالَمٍ لآخر.
تظلّ القدرة الحاسوبيّة أساس القُدرَة في الذكاء الاصطناعي. فالتحكّم في الرّقائق ومراكز البيانات والطاقة اللازمة لتشغيلها يُحَدّد من يستطيع تدريب الأنظمة ونَشْرها وتحديد وتيرة التقدّم. وتَمْتَدّ الرّوبوتات والتصنيع المُتَقَدّم بهذه القوّة إلى العالم المادّي، مُحَوِّلة الذكاء الرّقمي إلى طاقة إنتاجيّة. ولا يدوم شيء من ذلك من دون قاعدة صناعيّة-علميّة قويّة: بَحْثٌ أساسي، مَواهِبُ محليّة وعالميّة، قُدْرَة تصنيع على نطاق واسع، وطاقة تُبقي كلّ ذلك عامِلًا. وإذا افتَقَرَت شركات الذكاء الاصطناعي إلى الكهرباء الكافية، فقد يُصبح هذا الاختناق قَيْدًا على التقدّم الكلّي.
إدارة المَخاطِر - التي تُعَدّ غالبًا قَيْدًا لأنها قد تُبطئ النشْر وتَحِدّ من التجريب -يُمكِن أن تكون مصدر استقرار وشرعيّة. فهي ما يمنَع المُنافَسة من الانهيار بفعل تصعيد غير مقصود نتيجة حوادث، أو سوء استخدام مُتَعَمّد، أو فقدان السيطرة عند نَشْر أنظمة لم يَعُد البشر قادرين على ضَبْط سُلوكِها. وبالقَدر نفسه من الأهميّة، ضمان تطوّر بروتوكولات السلامة والدعم السياسي الداخلي بالسرعة الكافية لمُجاراة مَكاسِب القُدُرات. بعض المُستَقبَلات تمنَح واشنطن فسحة لبناء هذه القاعدة؛ وأخرى تضغط الجدول الزّمني.
ثمّ هناك مسألة الانتشار- نَشْر الأنظمة واعتمادها في الخارج. فالأنظمة التي تترسّخ ستُحَدّد أيّ القِيَم ونماذج الحَوْكَمَة تُعَرّف النظام الرّقمي، وأيّ الدوَل تجني أكبر المَكاسِب الاقتصاديّة والاستراتيجيّة. وقد جعلَت بكين بالفعل حَوْكَمَة الذكاء الاصطناعي نفسها تصديرًا استراتيجيًا، مُستَخدِمَةً أنظمتها ومعاييرها وقوالب تنظيمها لتشكيل كيفيّة استخدام الآخرين للتكنولوجيا والإشراف عليها. تُظهِر واشنطن قناعة نظريّة بالانتشار، لكنها لم تُثبِتها عمليًا بعد.
ويُشكّل الحلفاء والشركاء القطعة الأخيرة الحاسمة. فالعمل بتَناغمٍ مع شركاء موثوقين يُضاعِف القدرة الأمريكيّة ويَزيد فُرَص أن تُعَرّف الأنظمة الديمقراطيّة-لا السلطويّة-شكل عصر الذكاء الاصطناعي.
العالَم الأوّل
تُنتِج المحاور الثلاثة-الذكاء الفائق مُقابِل الذكاء المحدود والمُتَعَرّج، سهولة اللّحاق مُقابِل صعوبته، وصينٌ تُسابِق نحو الحدود مُقابِل صينٍ لا تُسابِق-ثمانية عَوالِم مُمكِنَة. ومُهِمّة صانعي السياسات ملء هذه المَصفوفَة بخيارات سياسيّة معقولة في كلّ عالَم.
في عالَمٍ يُمكِن فيه بلوغ الذكاء الفائق، ويَصعُب تقليد التكنولوجيا سريعًا، وتُسابِق الصين بأقصى سرعة، يبدو المَشهَد مزيجًا من سباق تسلّح وسباق فضاء. الرّهانات هائلة؛ فمَن يُطَوّر الأنظمة الأشدّ تقدّمًا ويُسَيطِر عليها قد يَحصد مَزايا تكنولوجيّة واقتصاديّة وعسكريّة دائمة. وفي أقصى هذا السيناريو، يُجادِل بعضهم بأنّ بدء التحسين الذاتي التكراري قد يجعل التفوّق مُعَزِّزًا لذاته، بحيث يصبح اللّحاق ذا معنى شبه مستحيل. ويَتَعامَل هذا الإطار مع هذا الاحتمال بوَصفِه الحالة الحدّية لـ"صعوبة اللّحاق"، لا افتراضًا أساسًا، ويَختَبِر الاستراتيجيّة تبعًا لذلك.
قد تضطرّ الولايات المتحدة إلى التفكير في مشروع مانهاتن 2.0: تعبئة مَوارِد عامّة، تنسيق استثنائي بين الحكومة والصناعة، ومستوى من السرّية أقرَب للبرامج العسكريّة، وربما توسيع استخدام قانون الإنتاج الدفاعي لعام 1950. وسَيُجبِر ذلك صانعي القرار على الاختيار بين مركزيّة التطوير في كيان واحد لضمان رقابة أمنيّة صارمة، أو الإبقاء على المُنافَسَة بين عدّة مُختَبَرات على افتراض أنّ التجريب المُتَوازي أسرَع.
في هذه الظروف، ستُشَدَّد ضوابط التصدير إلى أقصى ما يُمكِن إنفاذه، مع إخضاع كلّ طبَقات سلسلة أشباه الموصِلات لنُظُم أشد، والتنسيق مع الحُلفاء لمَنْع الالتفاف. وستَحتاج أوزان النماذج وبيانات التدريب ومراكز البيانات إلى تحصين ضدّ السرقة والتخريب.
ستَتَصَدّر إدارة المَخاطِر مع الصين المَشهَد، استنادًا إلى مصلحة مشتركة في تجنّب فقدان السيطرة البشريّة على الذكاء الفائق. فكلّما تسارعت الأنظمة، زادَت احتمالات الحوادث والتصعيد غير المقصود. وقد يكون من التحرّكات المُحتَمَلة اتفاق ضبط مُتَبادَل يَحِدّ من التطوير مؤقّتًا ريثما تُبنى أنظمة سلامة مُواكِبَة. لكن مثل هذا الترتيب هشّ وصعبُ الاستدامة بسبب انعدام الثقة وصعوبات التحقّق وإغراء كَسْر الاتفاق.
وبما أنّ اللّحاق صعب ونجاح الصين غير محتوم، قد تَجِد الولايات المتحدة نفسها بنافذة ضيّقة تصل فيها إلى الذكاء الفائق أوّلًا. حينها ستُواجِه قرارًا: هل تَمنَع الآخرين من بلوغ القُدرة نفسها؟ والسيناريو المُعاكِس مهمٌ بالقَدر نفسه: إذا بلغَت بكين الحدود أوّلًا، ستحتاج واشنطن إلى إدارة الأضرار والتخفيف منها؛ وإذا عبَر الطّرَفان العتَبة، فسيكون عليهما خفض المَخاطِر بحواجز واضحة وتَواصُل وضَبْط، مع العمل لمَنْع فقدان السيطرة واعتماد الذكاء الفائق من دُوَل مارِقة أو جهات غير حكوميّة.
العالَم الثاني
هنا يظلّ الذكاء الفائق مُمكِنًا ويظلّ اللّحاق صعبًا، لكنّ الصين لا تُسابِق. ترى الولايات المتحدة نفسها في لحظة أحاديّة القطب للذكاء الاصطناعي. وحتى لو انتهَجت بكين استثمارًا جزئيًا عند الحدود، فإنّ صعوبة اللّحاق تكاد تَضمَن وقوف واشنطن وحدها على القمّة، مع فرصة حقيقيّة لتشكيل بنية العالَم اللّاحق. السؤال المركزي لم يَعُد كيف نربح السباق، بل كيف نُدير التفوّق.
قد يتقدّم التطوير بوتيرة أكثر تَدَرّجًا؛ لا حاجة على الأرجح لتعبئة على شاكلة مانهاتن. لكن يجب حماية الحدود - الأوزان والحَوْسَبَة والمَواهِب - مع السماح لديناميكيّة الابتكار. ولا يجوز للصين شراء المُلكِيّة الفكريّة لشركات تَفشل مع نُضج السوق.
سَيُقلِق هذا التركيز القويّ دُوَلًا أخرى، إذ يُثيرُ شكوكًا حول قيادة مسؤولة. وستكون مهمّة الولايات المتحدة بناء نظام ذكاء اصطناعي ديمقراطي يُوَلّد الثقة بقيادتها - تَحَدٍّ يُشبِه 1945 لكنه أصعب اليوم. ومع غياب مُنافِس وشيك، يُمكِن لواشنطن مُمارَسَة ضَبْطٍ أحاديّ، ومُوازَنة التطوير مع السلامة. وسيكون الانتشار استراتيجيًا وانتقائيًا: إتاحة وصول آمِن للحُلفاء ومَنْع التفشّي غير المُنضَبِط.
داخليًا، يُمكِن التركيز على عقْد اجتماعي جديد يُوَجّه مَكاسِب الإنتاجيّة الهائلة نحو ازدهار واسع ويُعَزّز مُرونَة المجتمع. وتنظيمٌ معقولٌ يضمن السلامة والمُساءَلة دون خَنْق التقدّم.
لكن هذه اللّحظة لن تدوم بالضرورة؛ فإذا بلغَت الولايات المتحدة الذكاء الفائق، قد تنتقل الصين فورًا إلى وضع السباق، ولن يبقى الآخرون مَكتوفي الأيدي. وسيَتَعَيّن على واشنطن تقرير كيفيّة الاستجابة وتوجيه انتشار التكنولوجيا.
العالَم الثالث
عالَم انتشار شامل: الذكاء الفائق مُمكِن، واللّحاق سهل، والصين تُسابِق. تَتَراكَم الاختراقات سريعًا ويُنسَخ معظمها بسرعة. هنا تَتَرَكّز مهمّة الولايات المتحدة على المُرونة - تحصين الأنظمة السيبرانيّة والحيويّة والبنى التحتيّة والدفاع ضدّ طَيْف تهديدات مُفَعَّلة بالذكاء الاصطناعي.
يُصبِح قرار السباق أو الاتّباع السريع خيارًا استراتيجيًا. فالأسبقيّة قد تكون قصيرة، لكن تَرْك الآخرين يسبقون-مؤقتًا-يخلق نافذة ضعف. والمسار الأمثل غالبًا سباق دفاعي: إنفاقٌ عالٍ على البحث والتطوير مع طَبَقات أمْن ومُرونَة مُتَزايِدَة.
سيتعرّض نظام الابتكار لضغوط؛ فالبطَل الوطني الواحد لا يُوَفّر أمانًا إذا نُسِخَ ما يبنيه سريعًا. وقد تفشل شركات كثيرة مع تسليع الذكاء الفائق. سترتفع أهميّة إدارة المَخاطِر، بما فيها التعاون العالمي لمنع وصول التكنولوجيا إلى جهات غير مسؤولة. وقد تُصبِح ضوابط التصدير أقلّ فاعليّة بسبب سهولة اللّحاق، لكنها قد تظلّ أداة لكسب الوقت.
العالَم الرابع
ذكاءٌ فائقٌ مُمكِن، اللّحاق سهل، والصين لا تُسابٌق. نافذة أحاديّة قصيرة؛ قد تبلغ الولايات المتحدة أوّلًا، لكنّ الآخرين يلحقون سريعًا. قد يغدو التريّث عن دفعٍ كبير عند الحدود مُغرِيًا لتفادي التفشّي الشامل، لكنه محفوفٌ بالمَخاطِر. وإذا واصلَت واشنطن السباق، فعليها تقرير كيف تَستَخدِم تَفَوّقها: المَنْع، أو التحصين وبناء الضمانات.
ستُرَكّز بكين على تسليع الاختراقات الأمريكيّة ونَشْر أنظمتها عالميًا وربط الذكاء الاصطناعي بالعالَم الماديّ عبر الرّوبوتات. يُصبِح الانتشار ساحة حاسمة؛ وعلى الولايات المتحدة الاستثمار في الرّوبوتات والتصنيع المُتَقَدّم ونَشْر أنظمة آمِنَة وديمقراطيّة بسرعة.
العالَم الخامس
لا ذكاء فائق في الأفُق القريب، واللّحاق صعب، والصين تُسابِق. سباق ابتكار مُضْنٍ برهانات أدنى من سيناريوهات الذكاء الفائق. يستمرّ الاستثمار في البحث والتطوير مَدعومًا بسياسة صناعيّة طويلة الأمَد، مع تركيز إدارة المَخاطِر على سوء الاستخدام. وتزداد أهميّة التبنّي والانتشار؛ فحتى النماذج غير الحِديّة قد تُهَيْمِن إن كانت مُدمَجَة جيّدًا ورخيصة. تبقى ضوابط التصدير مُفيدَة، مع الحَذَر من عَرقلَة الانتشار الخارجي.
العالَم السادس
لا ذكاء فائق، اللّحاق صعب، والصين لا تُسابِق. تَفَوّق مُريح ونافذة لترسيخ المَزايا: أدوية مُنقِذَة، تعليم مُوَسّع، إحياء صناعات. تُرَكّز بكين على التطبيقات وتسليع الاختراقات. دُوَليًا، تُطَوّر واشنطن رؤية إيجابيّة، تفتَح منظومتها للشركاء مع إبقاء العناصر الحَرِجَة في الداخل، مع ضمان السلامة والقِيَم الديمقراطيّة.
العالَم السابع
ذكاءٌ محدودٌ ومُتَعَرّج، اللّحاق سهل، والصين تُسابِق. سباق انتشار؛ لا احتكار طويل الأمَد. قد يَعزِف المُستثمرون عن الاستثمار، لكن يجب خَوْض السباق كي تعكس الأنظمة المُنتَشِرَة القِيَم الأمريكيّة. يُصبِح الانتشار ركيزة أساسيّة للسياسة الخارجيّة، مع توسيع أدَوات التمويل والنشر عالَميًا. وقد يكون الانفتاح أو الترخيص الواسع للنّسَخ الآمِنة خيارًا أفضل من السريّة. في هذا العالَم، قد تُضعِف ضوابط التصدير سباق الانتشار.
العالَم الثامن
في العالَم النهائي، سيُشبِه الذكاء الاصطناعي العديد من التقنيّات الرئيسيّة السابقة. ستَقود الولايات المتحدة الابتكار، لكن من السهل نَسْخ التطوّرات. سيؤدّي هذا الاستغلال المَجّاني إلى صعوبة حشد الاستثمارات الخاصّة للمشاريع الرّائدة واسعة النطاق. ومع عدم تَنافُس الصين، سيُصبِح مُبَرّر الأمن القومي للإنفاق العام أقلّ شموليّة. بدَلاً من ذلك، سيَتبَع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي العائدات المتوقّعة من الانتشار. ومن المُرَجّح أن تُهَيمِن نماذج المصادر المفتوحة.
سيكون التنافس على ريادة الذكاء الاصطناعي في جوهره سباقًا نحو الانتشار؛ وسيُشْبِه المُنافَسات السابقة، مثل المُنافَسَة على تقنيّة 5G، التي كانت مدفوعة بالنّشْر والتوسّع. ستكون مهمّة واشنطن ضمان أن تصبح الأنظمة الأمريكيّة والحليفة الموثوقة هي البنية التحتيّة الافتراضيّة للصناعة العالميّة، ممّا يُقَلّل من فُرَص بكين في إنشاء بديل عملي مُنخَفِض التكلفة.
من السيناريوهات إلى الاستراتيجيّة
في عصر الذكاء الاصطناعي، لن تقتَصر الاستراتيجيّة على التنبّؤ بنتيجة واحدة أو سياسة واحدة صحيحة، بل ستُرَكّز أكثر على التفكير الاحتمالي. وللاستفادة من هذه المَصفوفَة، ينبغي لواضعي السياسات البدء باختيار سيناريو أساسي - أي العالَم الذي يعتقدون أنه الأرجح. يجب اختبار كلّ مُقترح سياسي رئيسي في ضوء هذا السيناريو الأساسي: هل تبدو السياسة منطقيّة في العالَم الذي يتصوّره المرء؟ كما يجب على واضعي السياسات تحديد الإجراءات التي يُمكِن اتّخاذها لتجنّب أو تخفيف أسوأ النتائج المُحتمَلة في العوالِم التي تكون فيها الولايات المتحدة أكثر عُرْضَة للخطَر وتكون فيها المَخاطِر في أعلى مُستوياتها، كما هو الحال في العالَم الأوّل - حتى لو لم يعتقدوا أن هذه العوالِم هي الأرجح. ومن ثمّ، ينبغي عليهم وضع استراتيجيّات تحوّطيّة، ومُواءمة الاستراتيجيّة مع السيناريو الأساسي مع جعلها مَرِنَة في مواجهة أصعب الظروف. وهذا يعني تحديد السياسات التي تنجح في عوالم متعدّدة، والتي يُمكِن التراجع عنها إذا تغيّرت التوقّعات المُستَقبَليّة، والتي ستكون ضارّة إذا ثَبُتَ خطأ السيناريو الأساسي.
... لكلّ عالَم من العوالِم الثمانية، ينبغي أن تمتلك الحكومة خطّة جاهزة للتنفيذ قابلة للتعديل مع تَغَيّر الظروف. وهذا يتطلّب من المؤسّسات التفكير الاحتمالي. ينبغي لمجلس الأمن القومي استخدام المصفوفة لاختبار مدى فعاليّة السياسة الأمريكية في مواجهة سيناريوهات مُستَقبَليّة بديلة. كما ينبغي لأجهزة الاستخبارات تَتَبّع مؤشّرات التحرّك على المحاور الثلاثة (مثل وتيرة التقدّم في المجالات المتقدّمة، وسرعة استنساخ القدرات الجديدة، أو التحوّلات في الاستثمارات الصينيّة) وتحديث احتمالات كلّ مُستَقبَل وفْقًا لذلك. يجب أن يكون كبار مسؤولي الأمن القومي على أهبّة الاستعداد للتوصية بتعديلات على السياسات عندما تبدأ المؤشّرات في الظهور وكأنّ عالَمًا مُختلفًا هو الأرجح. لا تَكمُن المهمّة في تقديم تنبّؤات مثاليّة، بل في تحقيق التوازن بين المَخاطِر والعوائد، وتعديل الأولويّات مع تَغَيّر الاحتمالات، وإعادة رسم المَصفوفَة حسبما تقتضيه الظروف، وإنشاء الأنظمة والعمليّات اللازمة لتحقيق ذلك.
لا يقتَصر هذا الإطار على صانعي السياسات فحسب، بل يُوَفّر أيضًا طريقة عمليّة لأيّ شخص للمُشارَكة في نقاشات حول الذكاء الاصطناعي والجيوسياسة. غالبًا ما تنتهي هذه النقاشات بحوارات غير مُترابطة بين الطرَفَيْن. يمكن أن تُصبِح هذه الجهود أكثر إنتاجيّة إذا حَدّدَ المُشارِكون أيّ مُستَقبَل يتمّ افتراضه. هل يُتَوَقّع أن يَتَسارَع الذكاء الاصطناعي نحو تحوّل جذريّ أم سيصل إلى مرحلة استقرار؟ هل ستنتشر الإنجازات بسرعة أم سيبقى تكرارها صعبًا؟ وهل تسعى الصين جاهدةً للوصول إلى الرّيادة أم أنها تُهيّئ نفسها للّحاق بالرّكب وتحويل الذكاء الاصطناعي إلى سِلعة؟ غالبًا ما يَكشف طَرْح هذه الأسئلة ورَسْم حجج كلّ طرَف على المَصفوفَة ما إذا كانت الخلافات تَكمُن حقًا في التوصيات السياسيّة أم في التصوّرات المستقبليّة.
لا يَهدُف هذا الإطار إلى التنبّؤ بالعالَم النهائي، بل إلى ضَبْط الاستراتيجيّة في مواجهة عدم اليقين، وذلك بتوضيح الافتراضات واختبارها في ضوء البدائل. كما أنّ هذا الإطار قابلٌ للتطوّر. فهناك أبعاد أخرى لتطوّر الذكاء الاصطناعي تَتَجاوَز المحاور الثلاثة المعروضة هنا؛ فبعض الأسئلة التي تبدو الأكثر أهميّة اليوم قد تُحَلّ في نهاية المطاف، وستَظهَر أسئلة جديدة. فإذا اتّضح، على سبيل المثال، أنّ الذكاء الخارق في مُتَناوَل اليد، فإنّ إمكانيّة التقدّم المحدود ستُصبِح غير ذات صِلَة؛ وقد تتضمّن المَصفوفَة محورًا جديدًا يأخذ في الاعتبار احتماليْن جديديْن: الذكاء الخارق المُفيد والذكاء الخارق الخطير. مع تَغَيّر المشهد التكنولوجي، قد تزداد أهميّة جهات فاعلة أخرى غير الصين. والأهم هو وجود إطار سياسي قابل للتكيّف مع تَراكُم الأدِلّة.
لن تكون الجغرافيا السياسيّة في عصر الذكاء الاصطناعي بسيطة. ولكن بدون منهجيّة تفكير مُنضبطة، ستنهار الاستراتيجيّة تحت وطأة الافتراضات والأجندات الخفيّة. يُتيح هذا الإطار، من خلال رسم خرائط للعَوالِم المُحتمَلة والخيارات التي تفرضها، رؤية واضحة وسط الضباب. مهمّة صانعي السياسات الآن واضحة: التعامل مع الذكاء الاصطناعي لا كقصّة واحدة، بل كمَشهَد مُتَغَيّر. إذا تعلّم القادة الأمريكيون التفكير بهذه الطريقة، فسَيُحَدّدون مَلامِح عصر الذكاء الاصطناعي الذي سيَظهَر. وإلّا، فسيَفعل ذلك غيرهم.
فورين آفيرز - Foreign Affairs
الكاتب: غرفة التحرير
2026-02-07 20:58:48 | 2 قراءة