ملخّص التقدير الإسرائيلي
15-3-2025
ملخّص بحث حول خطط "إسرائيل" بشأن التهجير الطوعي والإجباري للفلسطينيين
تتعالى منذ السابع من أكتوبر 2023 طروحات لدى عدد من السياسيين والمسؤولين في حكومة الاحتلال الإسرائيلي، تُنادي بتنفيذ "هجرة طوعيّة" لسكّان قطاع غزة. وقد أخذت هذه الطروحات تنتشر في الخطاب السياسي والشعبي لدى الاحتلال، لا سيما وأن رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، وبعض الوزراء في حكومته، مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، نادَيا بها مراراً وتكراراً. ويَفترض المُقتنِعون بهذه الخطّة بأنها ستكون مُفيدة لدولة الاحتلال والفلسطينيين في قطاع غزة أيضاً، إذ ستُشكّل الهجرة الطوعيّة خلاصاً لسكّان غزة من حالة الفقر والبطالة والاكتظاظ الخانق وانعدام الفرص التي يعيشونها في القطاع. وفي المقابل، سيتخلّص الاحتلال من الخطر الدائم الذي يشكلّه القطاع على مستوطنات الجنوب ويعمّ الهدوء الدائم هناك. إلّا أن المشكلة في هذه الفكرة، التي تبدو جذّابة على الورق، أن احتمالات تطبيقها تقترب من الصفر؛ ولكن لأن هذه الفكرة شعبوية وبرّاقة، فإنها تحظى بأهمية في النقاش السياسي الإسرائيلي، مع أنه لا إمكانية لتطبيقها.
يعيش في قطاع غزة اليوم 2.2 مليون لاجئ. وقد وعَد وزير المالية، والوزير في وزارة الحرب، بتسلئيل سموتريتش، أن دولة الاحتلال ستعمل على تهجير الغالبية العظمى من السكّان لتقليل عددهم إلى 100-150 ألف نسمة فقط؛ وهو عدد تستطيع دولة الاحتلال أن "تتعايش معه". لكن التهجير الجماعي لمجموعة بشرية رغم إرادتها هي عملية ستُجابَه بردّ فعل دولي حازم، بما يشمل فرض عقوبات اقتصادية وخسارة بعض الدعم السياسي. وعواقب هذا الأمر واضحة لسموتريتش وأشياعه. ولذلك أيضاً، لا أحد منهم يتحدّث عن تهجير قسري، وإنما عن "هجرة طوعيّة"؛ أي أن يخرج الفلسطينيون بإرادتهم إلى مكان آخر فيه مستقبل أفضل بكثير لهم.
بعد حرب 1967، حاولت "دولة" الاحتلال أن تنفّذ خطّة تهجير طوعي مُشابهة لما يدور الحديث عنه في هذه الأيام. وعلى الرغم من الموارد والجهود التي استثمرتها لتنفيذ تلك الخطّة؛ فإنها مُنيت بالفشل، وتولّت الحكومة في نهاية المطاف، على خلاف ما كانت تريده، السيطرة الكاملة على كل السكّان في قطاع غزة.
وفي يونيو/حزيران 1967، حقّقت دولة الاحتلال نصرَها العسكري الأكبر. إذ في غضون 6 أيام فقط، هزَم جيش الاحتلال جيوش سورية ومصر والأردن، لتتوسّع مساحة "دولة" الاحتلال المحدودة التي أقيمت في 1948 أضعافاً مُضاعفة، بعد أن سيطرت على هضبة الجولان والضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء. وكان قطاع غزة إحدى المناطق التي شكّلت معضلة مباشرة لكيان الاحتلال؛ فقد كان القطاع منطقة هشّة من ناحية البنية التحتية والخدمات ومكتظّة بالسكّان الذين غالبيّتهم من اللاجئين الذين هُجّروا من أراضي 1948. ومع ذلك، بالمُقارنة مع وضعه اليوم، كان وضع القطاع أفضل بكثير ممّا هو عليه الآن، إذ كان عدد سكّانه في المجمل 450 ألف نسمة مُقارنة بـ 2.2 مليون نسمة اليوم. وبعد احتلال قطاع غزة مباشرة، طُرحت عدّة أفكار في مداولات حكومة الاحتلال حول مستقبل القطاع؛ وكانت الفكرة الأبرز هي "تشجيع الهجرة" لدى سكّان قطاع غزة إلى دول أخرى، وبعد ذلك ضم القطاع للسيادة الإسرائيلية، بعد أن يكون قد أفرِغ من سكّانه. واقترح ليفي أشكول، رئيس الوزراء حينها، تجفيف المياه في القطاع لخلق ضائقة إنسانية وتدمير ما تبقّى من قطاع الزراعة، المحدودة أصلًا، لتهيئة الظروف الخانقة التي ستُجبر جزءاً من السكّان على الهجرة القسرية لدول أخرى. ووضَع موشيه ديان، وزير الحرب حينها، هدفاً طموحاً لتقليص عدد سكان القطاع من 450 ألف إلى 100 ألف، إذ قدّر أن "دولة" الاحتلال تستطيع أن تتعايش مع هذا العدد.
وقرّرت حكومة الاحتلال أنّ تنفيذ الخطّة سيجري بتشجيع سكّان القطاع على الهجرة وتقديم المساعدة لاستيعابهم في الدول الأخرى التي سيُهاجرون إليها. وقد حرصت حكومة الاحتلال على إبقاء هذه الخطة سريّة حتى تتجنّب ردّات الفعل الدولية. وقال ديان أنه سيُنكر أي وجود للخطّة في حال انكشف أمرها وعُقِدت لجنة تحقيق حولها. والمُنادون بفكرة "الهجرة الطوعيّة" في هذه الأيام هم أعضاء في الكنيست ووزراء شعبويون مختصّون في مقاطع التك توك، على النقيض من جيل وزراء1967 في حكومة الاحتلال الذين كانوا رجالاً عمليين ينتمون لجيل أقام "الدولة"، وأخذوا على عاتقهم تنفيذ المشاريع الضخمة، بداية من إقامة دولة الاحتلال نفسها، مروراً باستيعاب موجات الهجرة اليهودية المُتوالية إليها، واستيطان البلاد وبنائها، وتأسيس جيش الاحتلال، والنظام التعليمي، وغيره.
واتساقاً مع خلفيّة أصحاب خطّة الهجرة الطوعيّة عام 1967، أُخِذت الخطّة المذكورة أعلاه على محمل الجد. ففي السنة الأولى بعد حرب 1967، أصبحت الخطّة هي السياسة المركزية لحكومة الاحتلال تجاه قطاع غزة. وعَيّن رئيس الوزراء، ليفي أشكول، "عِداه سرني" مسؤولة عن "مشروع الهجرة". كانت سرني أرملة المظلّي أنتسو سرني، الذي حوصر وقُتِل في الحرب العالمية الثانية على يد النازيين، وكانت لها علاقات مع دول أوروبا، وعملت بعد "المحرقة" على البحث عن اللاجئين اليهود وإقامة مخيّمات لاستيعابهم.
حُدّدَت مهمّة سرني، حينها، بتشجيع "الهجرة الصامتة" لسكّان القطاع، من خلال إيجاد دول مستعدّة لاستقبال اللاجئين وتقديم محفّزات للفلسطينيين المستعدّين للهجرة لتلك الدول. وقد كانت الدول المُستهدفة، حسب الخطّة، باستقبال اللاجئين المُهاجرين هي: الأردن وممالك الخليج العربي و"كل دولة أخرى مستعدّة لاستقبالهم". وكانت الفكرة أن الهجرة ستُنَفّذ بصورة طبيعية، كما هو مُفترض، دون أن تُلاحَظ "بصمات أصابع" إسرائيلية في تنفيذها، وذلك لتجنّب رد فعل دولي ضدّ كيان الاحتلال. وقد كان رئيس الوزراء أشكول متورّطاً بشكل شخصي في الخطّة، وحصل على تحديث أسبوعي حول تطوّراتها وحول عدد الغزيّين الذين كانوا مُهتمّين بالمغادرة.
ونظراً إلى أن الفكرة كانت تتمحور حول إيجاد حالة من "الهجرة الصامتة"، فقد أسّست وحدة سريّة من شخصيات إسرائيلية ذات خلفيّة أمنيّة، ممن لديهم "معرفة عميقة بالمجتمع والعقلية العربية". وكانت وظيفة أعضاء هذه الوحدة العمل بين سكّان قطاع غزة وإقناعهم بالهجرة الطوعيّة. وفي المقابل، أُجريت أبحاث مُعمّقة واستطلاعات رأي في المجتمع الفلسطيني بهدف فحص احتمالات الاستجابة لعروض الهجرة. واشتملت حوافز تشجيع الهجرة الطوعيّة، التي قُدّمت للغزيّين في حينه، تحت بند "سلّة الهجرة"، على منحة مالية ومساعدة لوجيستية خلال عملية الهجرة، ومساعدة لمرّة واحدة خلال الهجرة نفسها (تكاليف السفر). لكن ظلّت كلّ النشاطات المتعلقة بتنفيذ الخطّة بعيدة عن الأنظار، لأن "دولة" الاحتلال خشيت من التبعات الدولية إذا اتّضح أنها تُنَفّذ عملية كهذه.
وعلى الرغم من الموارد التي خصّصتها للخطّة، إلّا أنها مُنِيَت بفشل ذريع؛ إذ استطاعت سرني أن تجد عدداً من الدول الأوروبية المستعدّة لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين على أراضيها. ولكن المشكلة الكبرى كانت في إقناعهم أنفسهم بجدوى الهجرة، إذ رفَضت الغالبية العظمى من الفلسطينيين العرض المُقَدّم لها قطعياً. فلم تسْحرهم حياة الرفاهية في الدول الأخرى مطلقاً؛ وأيضاً، لم يتغلّب الحافز المالي على تطلّعهم الوطني للتمسّك بأرزاقهم . وبينما كان الهدف الذي حدّدته حكومة الاحتلال هو هجرة 350 ألف لاجئ، أسفَرت النتيجة العملية في نهاية المطاف عن هجرة 20 ألف لاجئ فقط. وكانت النجاحات البسيطة، التي تمكّنت حكومة الاحتلال من تحقيقها، تتمثّل بالأساس في سفر الغزيّين من حاملي جوازات السفر الأردنية الذين استغلّوا الفرصة التي أتاحها تطبيق خطّة الهجرة الطوعيّة وانتقلوا للأردن. وأيضاً، في سفر نساء غزيّات ممّن يعمل أزواجهن في دول الخليج ليلتئم شمل عائلاتهن، إذ مُنِحت الفرصة للنساء المتزوّجات من رجال يعملون في الخليج للالتحاق بأزواجهن ضمن الخطّة. وقد تبيّن أن لمّ شمل العائلات كان أحد وسائل الإقناع الأنجح لإقناع الغزيّين بالهجرة من أراضيهم؛ إلّا أن هذا النجاح النسبي بذاته كان أحد عوامل إيقاف خطّة الهجرة الطوعيّة؛ لأنه أدّى إلى افتضاح أمر الخطّة. إذ توجّهت مصر والأردن إلى الأمم المتحدة بشكوى ضدّ دولة الاحتلال، تتّهمها بتنفيذ عملية تهجير قسري للفلسطينيين، وتُجبر اللاجئين على التوقيع على تعهّدات بعدم العودة إلى قطاع غزة أو كلّ الأراضي الفلسطينية. وادّعتا في الشكوى أنه بهذه الطريقة أجبَرت دولة الاحتلال 35 ألف فلسطيني على الهجرة (ولكن الرقم المُتداول لدى حكومة الاحتلال كان أقل من ذلك بكثير، واعتبرت أن تضخيم الرقم يهدف إلى تلطيخ سمعتها الدولية).
وبعد وقت قصير من النقاش في الأمم المتحدة حول الشكوى المصرية -الأردنية، قرّرت دولة الاحتلال إنهاء مشروعها الطموح بتهجير سكّان القطاع؛ إذ بعد مرور سنة على بدء تطبيق الخطّة، والاستثمارات الضخمة التي ضُخّت فيها، لم تتحقّق أي نتائج عملية. فقد ظلّ 97% من سكّان قطاع غزة في أراضيهم، وتعرّضت دولة الاحتلال لإدانات وضغوطات دولية على أثر تنفيذ خطّة الهجرة الطوعيّة. وفي هذه المرحلة، شرَعت دولة الاحتلال بإنشاء إدارة مدنية لقطاع غزة، وبدأت بالإدارة الكاملة لحياة الفلسطينيين؛ مع أنها لم تكن تنوي أن تتحكم بكلّ سكّان القطاع المكتظ. وقد اضطرّت لذلك، لأنها لم تُفلح في تهجيرهم. والفكرة الواعدة (على الورَق) التي هدَفت لتقليل عدد الفلسطينيين في قطاع غزة، لإنتاج وضع يُمكّن دولة الاحتلال من ضم القطاع بأقل عدد ممكن من سكّانه، كانت مُخالفة للواقع الذي كان بعيداً جداً عن طموحاتها. وبعد فشل خطة التهجير، بدأت حقبة سيطرة دولة الاحتلال على قطاع غزة، وهو وضع بقِي على حاله حتى اتفاق أوسلو عام 1993. وخلال تلك السنوات التي سبَقت الاتفاق، عرَضت دولة الاحتلال على مصر أن تتولّى إدارة قطاع غزة كجزء من اتفاق السلام بينهما الذي وُقّع عام 1978. ولكن المصريين رفضوا الفكرة رفضاً قاطعاً. وبالتالي، فإن مشروع "الهجرة الطوعيّة" بعد حرب 1967 انتهى بفشل، وظلّت دولة الاحتلال فعلياً، على خلاف إرادتها، تُسيطر سيطرة كاملة على سكّان القطاع.
في هذا البحث نتناول موضوع الترحيل الفلسطيني (ترانسفير)، الطوعي والقسري، مع الملابسات والتطوّرات التي أحاطت به منذ تأسيس كيان الاحتلال عام 1948.
2025-03-15 14:30:26 | 112 قراءة